الثلاثاء، 30 أبريل، 2013

اعجاز وصف الظل والظلال في القرآن الكريم




الظلال آية دالة على الله سبحانه وتعالى

أ.د/ يحيى وزيرى
عضو الهيئة العالمية للاعجاز العلمى فى القرآن والسنة.

1- مقدمة:
الظلال هى أحدى النعم التى امتن بها الله سبحانه وتعالى على عباده، والظل في اللغة نقيض الضح (بالكسر) أو هو الفيئ، أو هو بالغداة والفيئ بالعشى، ومكان ظليل ذو ظل، والظلة شيء كالصفة يستتر به من الحر والبرد، والظلال والمظلة (بالكسر والفتح) الكبير من الأخبية، والظليلة مستنقع الماء في أسفل مسيل الوادي والروضة الكثيرة الحرجات، والظلل الماء تحت الشجر لا تصيبه الشمس[1].
وفي المعجم الوجيز[2]:الظل هو ضوء الشمس إذا استترت عنك بحاجز، والظليل ذو الظل ويقال ظل ظليل أي دائم، وعلى ذلك فان الظل بمعناه العام يشمل الخيال الناتج عن الأشياء في اتجاه سقوط أشعة الشمس.
ويهدف هذا البحث الى اظهار أحد جوانب الاعجاز القرآنى فى حديثه عن الظل والظلال، من خلال محورين أساسيين: الأول: توضيح الدلالات العلمية فى آيات الظل والظلال بالقرآن الكريم.
الثانى: ابراز وجه الاعجاز القرآنى فى توضيحه أن الظل المشاهد فى الطبيعة ليس كله واحدا، واعطائه نماذج محددة ومختلفة لأنواع الظلال وهو مايعد اعجازا وسبقا قرآنيا منذ أكثر من أربعة عشر قرنا.
2- كيفية تكون الظلال وأسلوب حركتها فى الطبيعة:
إن تكوّن الظل هو أحد نتائج انتشار الضوء في خطوط مستقيمة، ويطلق تعبير الظل على احتجاز النور عن منطقة ما بوجود حاجز معتم يعترض مسار موجات هذا النور (الضوء المرئي) القادم من أحد مصادر الضوء في اتجاه واحد[3].
وإذا تعرض أي جسم للإشعاع الشمسي (الضوء الطبيعي) فان الجانب المعرض مباشرة للشمس يكون مضيئا، أما الجانب الآخر من الجسم الذي ليس في مواجهتها فيكون واقعا في الظل، فعلى سبيل المثال لو وضع أي مجسم هندسي معرضا للشمس فإن النصف المعرض للشمس يكون مضيئا أما النصف الآخر فيكون في الظل ويطلق عليه الظل الحقيقي[4] أي الذي يلقيه الجسم بنفسه على نفسه، ثم نجد أن هذا الجانب المظلل من المجسم الهندسي يقوم بإلقاء ظل على الأرض أو أي مستوى أو جسم آخر وهو ما يعرف باسم الظل الساقط[5] أو الظل الظاهرى ، شكل (1).

شكل (1): أسلوب تكون ظلال الأشكال المجسمة نتيجة تعرضها للإشعاع الشمسي المباشر.
أما بالنسبة لأسلوب حركة الظلال بصورة عامة، فيمكن أن يتضح بمراقبة ظل جسم أو شاخص معرض للإشعاع الشمسي، حيث نرى أن الشمس عند طلوعها صباحا من جهة الشرق وحتى منتصف النهار (الزوال) فان ظلال الأجسام تقع جهة الغرب، فإذا اتجهت الشمس من وسط الفلك إلى الجانب الغربي (جهة الغرب) وقعت ظلال الأجسام في الجانب الشرقي[6]، شكل (2- أ)، وهذه هى حركة الظل بالانتقال من الغرب الى الشرق. ويلاحظ أيضا أن أطوال الظلال تكون أكبر مايمكن عند شروق الشمس ثم تبدأ في التناقص كلما ارتفعت الشمس في السماء، حتى تصل إلى وسط الفلك (وقت الظهيرة تماما) وفى هذه الحالة نجد أن ظلال الأشياء على اختلافها تكون أقل مايمكن، ثم بعد انتقال الشمس إلى جهة الغرب تبدأ ظلال الأشياء في الازدياد مرة أخرى إلى أن تصل إلى أقصى طول لها وقت غروب الشمس، ارجع إلى شكل (2- ب)، وهذه هى حركة الظل بالامتداد والانقباض.

شكل (2-أ): حركة الظلال بانتقالها من جهة الغرب الى جهة الشرق على مدار اليوم.

شكل (2- ب): حركة الظل بالامتداد والانقباض على مدار النهار
وتوجد علاقة وطيدة بين زوايا ارتفاع الشمس في السماء وطول الظلال الملقاة على الأرض أو المستويات المختلفة، فكلما كانت زاوية ارتفاع الشمس قليلة (منخفضة) فان أطوال الظلال الملقاة تكون كبيرة وهو مايحدث عند طلوع الشمس أو عند غروبها، وكلما كانت زاوية ارتفاع الشمس كبيرة (عالية) كلما قل طول الظلال الملقاة على الأرض، حيث يكون أقل طول للظلال وقت الظهيرة تماما (الزوال)، أي أن العلاقة بين الشمس والظلال وطيدة ومتلازمة فبمقدار مايزداد أحدهما ينقص الآخر، وكما أن المهتدى يهتدي بالهادي والدليل يلازمه فكذا الظلال كأنها مهتدية وملازمة للأضواء فلهذا جعل الله سبحانه وتعالى الشمس دليلا عليها.
3- الدلالات العلمية لآيات "الظل والظلال" فى القرآن الكريم:
تحدث القرآن الكريم عن "الظل والظلال" فى العديد من الآيات القرآنية فى سور مختلفة، وسنحاول فى هذا المحور من البحث أن نوضح الدلالات العلمية للعديد من الآيات القرآنية التى تحدثت عن الظل والظلال، وفيما يلى حصر لأهم هذه الآيات مع تصنيفها من الناحية الموضوعية، وذكر تفسير مختصر لكل آية:
أ- التنبيه الى الفرق بين الظل والحرور:
يقول سبحانه وتعالى: "وما يستوي الأعمى ولا البصير، ولا الظلمات والنور، ولا الظل ولا الحرور" (فاطر: من 19 إلى 21).
إن الآية الكريمة تؤكد وتنبه على حقيقة يلمسها جميع البشر حيث يشعرون بالفرق الكبير بين الأماكن المظللة والأماكن المعرضة مباشرة للشمس وما ينتج عن ذلك من حر شديد. ب- وصف أسلوب حركة الظلال: * ذكر حركتى الظل اجمالا: يقول سبحانه وتعالى: "ولله يسجد من فى السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال" (الرعد:15)، يقول الإمام القرطبى في تفسير هذه الآية الكريمة[7]: "ظلال الخلق ساجدة لله تعالى بالغدو والآصال لأنها تبين في هذين الوقتين، وتميل من ناحية إلى ناحية، وذلك تصريف الله إياها على مايشاء، وهو كقوله تعالى: "أو لم يروا إلى ماخلق الله من شيئ يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون" (النحل:48)، والسجود بمعنى الميل فسجود الظلال ميلها من جانب إلى جانب".
فهذه الآية الكريمة قد نبهت الى حركتى الظل اجمالا، حيث ركزت على وقتى الغدو والآصال لأنها تبين فى هذين الوقتين، فالحركة الأولى للظل هى حركة الانتقال من جهة الغرب الى جهة الشرق، والحركة الثانية هى حركة الظل بالامتداد والانقباض، وهاتان الحركتان متلازمتان ومتزامنتان فى نفس الوقت.
* ذكر الحركة الأولى للظل: يقول سبحانه وتعالى: "أولم يروا الى ماخلق الله من شيئ يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون"(النحل: 48)، حيث يخبر الله سبحانه وتعالى أن كل ماله ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال أي بكرة وعشيا، فانه ساجد بظله لله تعالى، قال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شئ لله عز وجل[8]، كما أورد الإمام الشوكانى في تفسير الآية الكريمة مايلى[9]:" ..(تتفيؤا ظلاله) قال أبو عبيد: أي يميل من جانب إلى جانب، ويكون أول النهار على حال ويتقلص ثم يعود في آخر النهار على حالة أخرى..". لقد تم تفصيل الحركة الأولى للظل فى هذه الآية الكريمة، وهى حركة الانتقال من جهة الى أخرى أى من الغرب الى الشرق، كما يشاهد فى الطبيعة.
* ذكر الحركة الثانية للظل: يقول سبحانه وتعالى: "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا" (الفرقان: 45، 46)، لقد ورد في تفسير "التحرير والتنوير" مايلى[10]:"..وهذا الامتداد يكثر على حسب مقابلة الأشعة (يقصد أشعة الشمس) للحائل (الجسم) فكلما اتجهت الأشعة إلى الجسم من أخفض جهة كان الظل أوسع، وإذا اتجهت إليه مرتفعة عنه تقلص رويدا رويدا إلى أن تصير الأشعة مسامتة أعلى الجسم ساقطة عليه فيزول ظله تماما أو يكاد يزول، وهذا معنى قوله تعالى: "ولو شاء لجعله ساكنا"، أي غير متزايد لأنه لما كان الظل يشبه صورة التحرك أطلق على انتفاء الامتداد اسم السكون، بأن يلازم مقدارا واحدا لاينقص ولايزيد، أى لوشاء الله لجعل الأرض ثابتة في سمت واحد تجاه أشعة الشمس، فلا يختلف مقدار ظل الأجسام التي على الأرض وتلزم ظلالها حالة واحدة فتنعدم فوائد عظيمة". لقد تم تفصيل الحركة الثانية للظل فى هاتين الآيتين الكريمتين، وهى حركة الظل بالامتداد والانقباض، مع سبق القرآن الكريم عند ذكره امكانية حدوث مايمكن أن نطلق عليه "الظل الساكن"[11]، فى قوله تعالى: "ولو شاء لجعله ساكنا".
ج- الظل ليس كله واحدا: يقول الله سبحانه وتعالى: "والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم، كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون" (النحل:81)، ورد فى التفسير الميسر مايلى[12]: "والله جعل لكم ماتستظلون به من الأشجار، وجعل لكم فى الجبال من المغارات والكهوف أماكن تلجأون اليها عند الحاجة...".
ان ذكر كلمة "ظلالا" بصيغة الجمع وليس "ظلا" بالافراد، فيه تنبيه الى أن الظل الذى نراه بأعيننا ليس كله واحدا فى التأثير، وهذا من اعجاز القرآن الكريم، وهو ماسوف ندلل عليه عند بيان أوجه الاعجاز العلمى فى المحور الرابع من البحث.
د- ذكر نماذج محددة لأنواع الظلال : من اعجاز وسبق القرآن الكريم أن يذكر نماذج واضحة ومحددة لأنواع الظل، وهو ماسوف نوضحه فيما يلى:
1- الظل النافع (ظل الرحمة): أورد القرآن الكريم العديد من نماذج الظل النافع (ظل الرحمة)، نفصلها فيمايلى:
* ظل الغمام (السحاب الأبيض): يقول سبحانه وتعالى: "وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى، كلوا من طيبات مارزقناكم وماظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون" (الأعراف:160)، أورد الامام القرطبى فى تفسيره مايلى[13]: ".. أي جعلناه عليكم كالظُّلّة والغمام جمع غمامة، كسحابة وسحاب؛ قاله الأخفش سعيد. قال الفراء: ويجوز غمائم وهي السحاب؛ لأنها تغمّ السماء أي تسترها؛ وكل مغطّى فهو مغموم؛ ومنه المغموم على عقله. وغُمّ الهلال إذا غطّاه الغَيْم. والغين مثل الغيم؛ ومنه قوله عليه السلام: "إنه ليُغان على قلبي" قال صاحب العين: غِين عليه: غطّى عليه، والغَيْن: شجر ملتّف، وقال السُّدّي: الغمام السحاب الأبيض. وفعل هذا بهم ليقيهم حرّ الشمس نهاراً، وينجلي في آخره ليستضيئوا بالقمر ليلاً، وذكر المفسرون أن هذا جرى في التِّيه بين مصر والشام لما ٱمتنعوا من دخول مدينة الجبّارين وقتالهم..".
* الظل الظليل: يقول سبحانه وتعالى: "والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا" (النساء: 57)، ولقد أورد الامام ابن كثير فى تفسيره مايلى[14]: ".. وقوله: { وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً } أي: ظلاً عميقاً كثيراً غزيراً طيباً أنيقاً، قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، وحدثنا ابن المثنى، حدثنا ابن جعفر، قالا: حدثنا شعبة، قال: سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها: شجرة الخلد".
* ذكرن الظل الممدود مقترنا بالماء المسكوب: يقول سبحانه وتعالى: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب" (الواقعة:27-31)، ورد فى التفسير الميسر[15]: "وأصحاب اليمين ماأعظم مكانتهم وجزاءهم، هم فى سدر لاشوك فيه وموز متراكب بعضه على بعض، وظل دائم لايزول وماء جار لاينقطع..".
ان الآيات الكريمة تعطينا نموذجا هاما للظل النافع وهو الظل الدائم، مقترنا بالماء الجار المسكوب والذى يساهم مع الظل فى تخفيف درجة الحرارة.
2- الظل الضار (ظل العذاب): أورد القرآن الكريم العديد من نماذج الظل الضار (ظل العذابة)، نفصلها فيمايلى:
* ظل الدخان الأسود: يقول سبحانه وتعالى: "وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ، لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ" (الواقعة:43، 44)، ورد فى كتاب "جامع البيان في تفسير القران" للامام الطبري[16]: "...فعن ابن عباس ومنصور عن مجاهد "وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ"، قالا: دخان، وحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَظِلٍّ مِنْ يَحْمومٍ } كنا نحدَّث أنها ظلّ الدخان، وقال: قال ابن زيد، في قوله: { وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ } قال: ظلّ الدخان دخان جهَنم، وقوله:"لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ"، يقول تعالى ذكره: ليس ذلك الظلّ ببارد، كبرد ظلال سائر الأشياء، ولكنه حارّ، لأنه دخان من سعير جهنم، وليس بكريم لأنهم مؤلم من استظلّ به،... وعن قتادة، قوله: { لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ } قال: لابارد المنزل، ولا كريم المنظر".
* ظل دخان ذى ثلاث شعب: كما يقول سبحانه وتعالى: "انطلقوا الى ظل ذى ثلاث شعب، لاظليل ولا يغنى من اللهب" (المرسلات:30، 31)، أورد الامام الطبرى فى تفسيره مايلى[17]: "يقول تعالى ذكره لهؤلاء المكذّبين بهذه النِّعم والحجج التي احتجّ بها عليهم يوم القيامة: { انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ } في الدنيا { تُكَذّبُونَ } من عذاب الله لأهل الكفر به { انْطَلِقُوا إلى ظِلِّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ } يعني تعالى ذكره: إلى ظلّ دخان ذي ثلاث شعب { لاظَلِيلٍ }، وذلك أنه يرتفع من وقودها الدخان فيما ذُكر، فإذا تصاعد تفرّق شعباً ثلاثاً، فذلك قوله:{ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ}".
* عذاب يوم الظلة (سحابة عذاب) : يقول سبحانه وتعالى: "فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ" (الشعراء، 189)، فمن أمثلة "ظل العذاب" فى الدنيا ماأخبر به القرآن الكريم عن عذاب قوم شعيب، فى قوله تعالى: "فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ"، فلقد جاء فى تفسير روح المعانى للألوسى مايلى[18]: "{ فَكَذَّبُوهُ } فاستمروا على تكذيبه وكذبوه تكذيباً بعد تكذيب { فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ } وذلك على ما أخرج عبد بن حميد. وابن جرير.
وابن المنذر، وابن أبـي حاتم. والحاكم عن ابن عباس أن الله تعالى بعث عليهم حراً شديداً فأخذ بأنفاسهم فدخلوا أجواف البيوت فدخل عليهم فخرجوا منها هرباً إلى البرية فبعث الله تعالى عليهم سحابة فاظلتهم من الشمس وهي الظلة فوجدوا لها بردا ولذة فنادى بعضهم بعضاً حتى إذا اجتمعوا تحتها أسقطها الله عز وجل عليهم ناراً فأكلتهم جميعاً، وجاء في كثير من الروايات أن الله عز وجل سلط عليهم الحر سبعة أيام ولياليهن ثم كان ما كان من الخروج إلى البرية وما بعده وكان ذلك على نحومااقترحوه لاسيما على القول بأنهم عنوا بالسماء السحاب، وفي إضافة العذاب إلى يوم الظلة دون نفسها إيذان بأن لهم عذاباً آخر غير عذاب الظلة وفي ترك بيانه تعظيم لأمره".
4- بيان أوجه الاعجاز العلمى فى آيات "الظل والظلال":
تحتوى الآيات القرآنية التى تتحدث عن الظل والظلال على العديد من الملامح الاعجازية، وهو ما سوف نقوم بتفصيله فيما يلى:
4-1 شمولية ودقة الوصف القرآنى للظل والظلال:
من جوانب اعجاز القرآن الكريم أن يتحدث عن الظل والظلال بوصفها أحد الظواهر الطبيعية، التى ترتبط أساسا بحركة الشمس الظاهرية، بأسلوب يتسم بالشمولية وبدقة الوصف الذى لايتنافى مع الحقائق العلمية التى تم التأكد منها فى العصر الحديث، حيث أشارت الآيات القرآنية الى مايلى:
أ- التنبيه الى الفرق بين الظل والحرور.
ب- الوصف الدقيق لأسلوب حركة الظلال اجمالا وتفصيلا.
ج- التنبيه الى أن الظل ليس كله واحدا.
د- ذكر نماذج محددة لكل من نوعى الظل النافع (ظل الرحمة) والظل الضار (ظل العذاب).
4-2 اثبات أن الظل ليس كله واحدا:
أوضح القرآن أن الظلال هي إحدى نعم الله سبحانه وتعالى للبشر، حيث يقول سبحانه وتعالى: "والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم، كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون" (النحل:81)، ان ورود كلمة ”ظلالا“ بصيغة الجمع، ينبه الى أن الظل أنواع، وأن الظل ليس كله واحدا حيث تختلف درجة الحرارة حسب العنصر الذى يقوم بالقاء الظل.
وإذا كان بعض المفسرين (جزاهم الله خيرا) قد أوضحوا أن المقصود بالظلال في الآية الكريمة هى ظلال الأشجار على وجه التحديد، فلقد أوضحت إحدى التجارب في اليابان أثر استخدام النباتات في خفض درجة حرارة الحوائط الخارجية، حيث تم استخدام أحد أنواع النباتات اليابانية Japanese Ivy في تغطية حائط غربي معرض للشمس فوجد أن درجة حرارة الحائط قبل تغطيته بالنباتات أعلى بحوالي 10 درجات مئوية عن درجة حرارة الهواء المحيط، أما بعد التغطية فوجد أن درجة حرارة الحائط تقل بحوالي 1 درجة مئوية عن درجة حرارة الجو المحيط [19]، كما أوضحت دراسة أخرى أجريت لمعرفة تأثير استخدام النباتات الطبيعية في تظليل المباني مدى التباين في تقليل درجات الحرارة نتيجة اختلاف أسلوب استخدام هذه النباتات في عملية التظليل، أنظر جدول (1)، فعلى سبيل المثال فان متوسط الانخفاض في درجات الحرارة نتيجة التظليل باستخدام الأشجار الكبيرة الحجم (في وجود إشعاع شمسي مباشر) يقدر بحوالي 14.50 درجة فهرنهيت، أما في حالة استخدام شجيرات متوسطة الحجم shrub فيصل الانخفاض إلى 24.30 درجة فهرنهيت[20].

جدول (1): متوسط الانخفاض في درجة حرارة سطح الحائط نتيجة استخدام عناصر تظليل مختلفة. القياسات مسجلة في الصيف بولاية ميامى بفلوريدا[21]
عناصر التظليل المستخدمة Landscape elements متوسط الانخفاض في درجة الحرارة (فهرنهيت)، في عدم وجود إشعاع شمسي مباشر. متوسط الانخفاض في درجة الحرارة (فهرنهيت)، في وجود إشعاع شمسي مباشر.
كما أوضحت دراسة أخرى أن الانخفاض في درجة حرارة الحوائط المظللة باستخدام خليط من الأشجار والشجيرات يصل لحوالي من 13.50 إلى 15.50 درجة مئوية، أما في حالة استخدام النباتات المتسلقة فان درجة حرارة الحائط تنخفض حوالي من 10 إلى 12 درجة مئوية[22].
إن الدراسات العديدة السابقة توضح أمرا هاما وهو اختلاف النقص في درجات حرارة المباني أو الحوائط المظللة تبعا للعنصر المستخدم في التظليل، فالظل الناتج عن طريق تظليل المباني بعضها البعض يختلف عن الظل الناتج عن استخدام النباتات الطبيعية، كما أن الظل الناتج عن استخدام الأشجار أو الشجيرات يختلف عن الظل الناتج عن النباتات المتسلقة، لذلك نجد أن الآية الكريمة ذكرت لفظ (ظلالا) بصيغة الجمع وكأنها تلفت النظر إلى أنه توجد اختلافات في تأثير الظلال تبعا للعنصر الذي يلقى الظل. كما أن الآية ألمحت الى أن هذه الظلال ناتجة عن العناصر التي خلقها الله سبحانه وتعالى (والله جعل لكم مما خلق ظلالا) لتوضح لنا أن الظلال الناتجة من العناصر الطبيعية التي خلقها الله كالنباتات والأشجار والأكنان بالجبال يكون تأثيرها في خفض درجة الحرارة أكبر.
4-3 الاعجاز فى ذكر نماذج محددة للظل النافع والظل الضار:
سنحاول فى هذا الجزء من البحث توضيح جوانب الاعجاز العلمى فى بعض الآيات القرآنية، التى أوردت نماذج محددة لكل من الظل النافع والظل الضار. 4-3-1 ذكر الظل الممدود مقرونا بالماء المسكوب:
نظرا لأهمية الظلال بالنسبة لتوفير جو مريح بالنسبة للبشر خاصة في المناطق الحارة، فلقد نبهت العديد من الآيات إلى العديد من الأمثلة والنماذج لمايمكن ان نسميه "بالظل النافع"، ومنها الظلال الناتجة عن الغمام (السحب البيضاء) كما في قوله تعالى: "وظللنا عليهم الغمام" (الأعراف: من الآية 160).
وفى بعض الآيات القرآنية ورد ذكر الظل الممدود مقرونا بالماء المسكوب، حيث يقول سبحانه وتعالى: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب" (الواقعة: من27 الى 31)، ان استخدام الماء لترطيب الهواء بالإضافة إلى عملية التظليل، يؤدى إلى زيادة خفض درجة حرارة الهواء مما يؤدى إلى زيادة الشعور بالراحة الحرارية[23] خاصة في المناطق الحارة الجافة مثل منطقة الجزيرة العربية، والتي كانت مهبطا للوحي القرآني.
سبق وأن أوضحنا أهمية الظلال وتأثيرها في خفض درجات الحرارة سواء داخل المباني أو في الفراغات الخارجية المكشوفة، ثم تأتى هاتان الآيتان الكريمتان لتعطى ملمحا اعجازيا قرآنيا آخر في مجال التصميم البيئي، ألا وهو الربط بين ذكر الظل الممدود الذى لاينقطع وبين ذكر الماء المسكوب الجاري وهو ما سوف نوضح جوانبه العلمية في السطور التالية. فلقد قام مقدم البحث بعمل تجارب وقياسات على أحد الأفنية المظللة بمبنى ورش كلية الفنون التطبيقية بجامعة حلوان، وذلك باستخدام رشاش مائي sprinkler بوضعه في هذا الفناء المكشوف وقياس مدى تأثير استخدام الماء في وجود الظلال، شكل (3)، وقد توصل الباحث إلى أنه خلال عدة أيام من التجارب أثناء الصيف،انظر جدول (2)، يمكن أن يؤدى استخدام الماء الخارج من الرشاش إلى خفض درجة الحرارة داخل الفناء المكشوف بمقدار 4 درجة مئوية[24]، وهو ما يفسر أيضا حرص المسلمين الأوائل على وجود النوافير والماء المسكوب والجارى داخل أفنية المباني والبيوت الإسلامية وفى الحدائق الخارجية المحيطة بها بهدف خفض درجات الحرارة، إلى جانب تحقيق العامل الجمالي أيضا[25].

شكل (3): صورة للفناء المكشوف المظلل أثناء استعمال الرشاش المائي (المشار اليه بالسهم)، وأخذ القياسات بجامعة حلوان خلال الصيف عام 2000م.

جدول (2): تأثير استخدام الرشاش المائي في خفض درجة حرارة الفناء المكشوف المظلل[26].
إن نتائج التجربة والقياسات السابقة توضح أهمية استخدام الماء خاصة المسكوب، إلى جانب التظليل لزيادة خفض درجات الحرارة في الفراغات الخارجية المكشوفة، وهو ما يوضح جانب الإعجاز العلمي في الربط ما بين الظل الممدود والماء المسكوب في آيتين متتاليتين من سورة الواقعة، وهو يعتبر سبق قرآني بكل المقاييس يتفق مع أحد أهم مبادئ علم التصميم البيئي.
4-3-2 ذكر الظل الظليل:
أوضحت احدى الآيات القرآنية أن "الظل الظليل" هو إحدى المتع التي أعدها الله سبحانه وتعالى لأهل الجنة، مصداقا لقوله تعالى: "والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا" (النساء: 57)، وهو الظل المتراكب فوق بعضه بعضا ومثاله فى الطبيعة ظل ورق الأشجار الذى يظلل بعضه بعضا. لقد أوضحت القياسات العلمية الحديثة أن أفضل شيئ لتقليل درجة الحرارة داخل الفراغات المبنية، يكون عن طريق تظليل الأسقف العلوية للمبانى، بمعنى وجود سقف يظلل السقف الأصلى للمبنى، وهو أحد نماذج الظل الظليل، حيث يعمل السقف الخارجى (العلوى) على تظليل سقف المبنى الأصلى من الاشعاع الشمسى المباشر، وخفض الانتقال الحرارى للفراغات (المعمارية) أسفله[27]، شكل (4).

شكل (4): قطاع فى مبنى حديث يوضح أسلوب تظليل أسقف المبانى باستخدام أسقف معدنية عاكسة للاشعاع الشمسى[28].
4-3-3 ذكر ظل الدخان الأسود: من أمثلة الظل الضار ما ورد فى قول الله سبحانه وتعالى: ”وظل من يحموم، لابارد ولاكريم“ (الواقعة: 43،44). ان ذكر الظل الضار يعتبر سبقا قرآنيا، لآن اليحموم عبارة عن دخان أسود حار سيئ المنظر، ومثاله مايعرف الآن باسم ”الضبخان“ smog (السحابة السوداء)، ويتكون من الضباب والدخان، ولم تعرف ظاهرة الضبخان الا بعد الثورة الصناعية وانتشار الملوثات من أدخنة وأبخرة ساخنة متصاعدة، فى وجود ظروف مناخية معينة، تؤدى الى تكون سحب سوداء من الضبخان تحجب الشمس، ولكنها تضر بالصحة وتزيد من ارتفاع درجات الحرارة والشعور بجو خانق، ومن جانب آخر فانها سيئة المنظر[29]، شكل (5).


شكل (5): صور ورسومات مختلفة تبين كيفية تكون "الضبخان" (ظل السحابة السوداء) بشكله السيئ.
5- الخلاصة ونتائج البحث:
أوضح البحث أحد جوانب الاعجاز العلمى فى القرآن الكريم فى وصفه للظل والظلال، حيث أعطت العديد من الآيات القرآنية فى مواضع متفرقة بسور القرآن الكريم، رؤية شاملة وعامة فى التنبيه الى الظل كأحد النعم التى امتن بها الله على عباده خاصة فى المناطق الحارة، الى جانب الحديث عن أسلوب حركة الظلال فى الطبيعة اجمالا وتفصيلا، مع ذكر أنواع الظلال من خلال نماذج محددة تصف نوعى الظل الأساسيين وهما: الظل النافع (الرحمة)، والظل الضار (العذاب). كما أثبت البحث من خلال الاستعانة بالأدلة والحقائق العلمية التى تتأسس على القياسات والتجارب العلمية الحديثة، أن الظل ليس كله واحدا وهو مانبهت عليه احدى آيات سورة النحل من خلال ورود لفظ "ظلالا" بصيغة الجمع.
كما أورد البحث وجوه الاعجاز العلمى في ذكر القرآن لنماذج محددة لكل من الظل النافع والظل الضار، وهو مايعد اعجازا وسبقا قرآنيا بكل المقاييس العلمية التى تم التوصل اليها حديثا، حيث أن كل البشر وقت نزول القرآن الكريم منذ أكثر من أربعة عشر قرنا لم يكونوا يعرفون الا الظل النافع، ولم يتخيل أحد منهم أى وجود للظل الضار أو ظل العذاب الا بعد أن نبهت اليه بعض الآيات القرآنية، وأثبته العلم الحديث متمثلا فيما يعرف باسم "الضبخان" أو "السحابة السوداء". ان حديث القرآن الكريم عن وصف أسلوب حركة الظلال وأنواع الظل المختلفة، بحيث يعطى رؤية شاملة ومتكاملة لهذه الظاهرة الطبيعية، دونما أى تعارض مع الحقائق العلمية الحديثة، يعتبر شاهدا للقرآن الكريم بأنه كلام الله الذى أنزله بعلمه على المصطفى صلى الله عليه وسلم، ليهدى به البشر في كل زمان ومكان وليريهم طريق الحق الواضح المبين.
* مراجع البحث:
1- القرآن الكريم. أولا: كتب التفسير والمعاجم اللغوية: 2- الامام ابن كثير. تفسير القرآن العظيم. 3- الامام الألوسى. روح المعانى. 4- الإمام الشوكانى. فتح القدير. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت. 5- الطاهر ابن عاشور. التحرير والتنوير ، الدار التونسية للنشر، تونس. 6- الامام الطبري. جامع البيان في تفسير القران. 7- الفيروزابادى (1977). القاموس المحيط. الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة. 8- الإمام القرطبى. الجامع لأحكام القرآن. 9- التفسير الميسر (إعداد نخبة من العلماء) (1419هجرية). وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية. 10- مجمع اللغة العربية (2000). المعجم الوجيز . طبعة خاصة بوزارة التربية والتعليم، جمهورية مصر العربية. 11- محمد بن أحمد الاسكندرانى الدمشقي (بدون تاريخ). كشف الأسرار النورانية (المجلد الثاني). مكتبة ركابي، القاهرة. ثانيا: المراجع العربية: (12) أحمد كمال لبيب (1977). الهندسة الوصفية. القاهرة. (13) آمال عبدالحليم الدبركى ( 1999). التهوية الطبيعية كمدخل تصميمى في العمارة السالبة (رسالة ماجستير). قسم العمارة بكلية الهندسة، جامعة عين شمس، القاهرة. (14) زغلول النجار (2005). من أسرار القرآن. جريدة الأهرام (16 مايو 2005)، القاهرة. (15) عبد الرحمن محمد نصار (1974). الظل..الظلال..المنظور. القاهرة. (16) موفق حميد (بدون تاريخ). كيف نرسم نظريا. المكتبة الحديثة للطباعة والنشر، بيروت. (17) يحيى وزيري (2004). العمارة الإسلامية والبيئة. سلسلة عالم المعرفة عدد (304)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص132، ص218،217. (18) يحيى وزيرى (2004). دلائل الاعجاز العلمى في اشارات التصميم البيئى في القرآن الكريم. سجل بحوث المؤتمر العالمى السابع للاعجاز العلمى في القرآن والسنة- دبى، الهيئة العالمية للاعجاز العلمى في القرآن والسنة، مكة المكرمة. (19) يحيى وزيرى (2006). اعجاز القرآن الكريم في وصف حركة الظلال.سجل بحوث المؤتمر العالمى الثامن للاعجاز العلمى في القرآن والسنة- الكويت، الهيئة العالمية للاعجاز العلمى في القرآن والسنة، مكة المكرمة.
ثالثا: المراجع الأجنبية والمواقع الأليكترونية:
(20) Baroum, A.H. (1983). Energy responses to vernacular shelter and settlement in continental Morocco, North Africa. Proceedings of the second international plea conference: “Passive and low energy Architecture”. Pergamon press, New York. (21) Givoni, B. (1994). Passive and low energy cooling of buildings. Van Nostrand Reinhold company, New York. (22) Yehia Wazeri (2001). The natural cooling system…an approach for improving the thermal performance of buildings in North Africa (Ph.D.). Institute of African Research and Studies, Cairo University. (23) WWW. ar.wikipedia.org (24) WWW. Lampa. Bibalex. org
(1) الفيروزابادى (1977). القاموس المحيط. الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة. (2) مجمع اللغة العربية (2000). المعجم الوجيز . طبعة خاصة بوزارة التربية والتعليم، جمهورية مصر العربية. (3) للمزيد من التفاصيل انظر كلا من: * زغلول النجار (2005). من أسرار القرآن. جريدة الأهرام (16 مايو 2005)، القاهرة، ص13. * عبد الرحمن محمد نصار (1974). الظل..الظلال..المنظور. القاهرة، ص6. * موفق حميد (بدون تاريخ). كيف نرسم نظريا. المكتبة الحديثة للطباعة والنشر، بيروت، ص 60 ومابعدها. (4) أحمد كمال لبيب (1977). الهندسة الوصفية. القاهرة، ص84-ص88. (5) للمزيد من التفاصيل ارجع إلى الموقع التالي: * WWW. Lampa. Bibalex. org (6) محمد بن أحمد الاسكندرانى الدمشقي (بدون تاريخ). كشف الأسرار النورانية (المجلد الثاني). مكتبة ركابي، القاهرة، ص8. (7) انظر تفسير الآية (15) من سورة الرعد في "الجامع لأحكام القرآن" للامام القرطبى. (8) انظر تفسير الآية (48) من سورة النحل في "تفسير القرآن العظيم" للإمام ابن كثير. (9) انظر تفسير الآية (48) من سورة النحل في فتح القدير للإمام الشوكانى. (10) انظر تفسير الآيتين (45، 46) من سورة الفرقان في تفسير "التحرير والتنوير" للطاهر ابن عاشور، الدار التونسية للنشر، تونس. (11) للمزيد من التفاصيل انظر بحثنا: اعجاز القرآن الكريم في وصف حركة الظلال (2006). كتاب أبحاث (ج3) المؤتمر العالمى الثامن للاعجاز العلمى في القرآن والسنة- الكويت، الهيئة العالمية للاعجاز العلمى في القرآن والسنة، مكة المكرمة. (12) انظر تفسير الآية (81) من سورة النحل فى: التفسير الميسر (1419 هجرية). اعداد نخبة من العلماء. وزارة الشئون الاسلامية والأوقاف والدعوة والارشاد، المملكة العربية السعودية. (13) انظر تفسير الآية (160) من سورة الأعراف في "الجامع لأحكام القرآن" للامام القرطبى. (14) انظر تفسير الآية (57) من سورة النساء في تفسير القرآن العظيم للامام ابن كثير. (15) انظر تفسير الآيات (من 27 الى 31) من سورة الواقعة في التفسير الميسر (مرجع سابق). (16) انظر تفسير الآيتين (43، 44) من سورة الواقعة في "تفسير جامع البيان في تفسير القران" للامام الطبري. (17) انظر تفسير الآيتين (30، 31 ) من سورة المرسلات في تفسير الامام الطبرى. (18) انظر تفسير الآية (189) في تفسير "روح المعانى" للامام الألوسى. (19) Givoni, B. (1994). Passive and low energy cooling of buildings. Van Nostrand Reinhold company, New York. ([20]) Baroum, A.H. (1983). Energy responses to vernacular shelter and settlement in continental Morocco, North Africa. Proceedings of the second international plea conference: “Passive and low energy Architecture”. Pergamon press, New York. ([21]) Baroum : the previous reference. [22] Givoni : the previous reference. (23) يتم تعريف مصطلح "الراحة الحرارية" على أنها حالة العقل التي يشعر فيها الإنسان بارتياح ورضا فيما يتعلق بالبيئة الحرارية الموجود فيها، فأي إنسان عادى لا يشعر بالراحة الحرارية إذا زادت أو قلت درجة الحرارة عن حدود معينة، أي أنه لا يشعر بالراحة في درجات الحرارة العالية مثلما لا يشعر بالراحة أيضا في حالات البرودة الشديدة.
* للمزيد من التفاصيل انظر بحثنا: دلائل الاعجاز العلمى في اشارات التصميم البيئى في القرآن الكريم (2004). سجل بحوث (مجلد3) المؤتمر العالمى السابع للاعجاز العلمى في القرآن والسنة- دبى، الهيئة العالمية للاعجاز العلمى في القرآن والسنة، مكة المكرمة. [24]Yehia Wazeri (2001). The natural cooling system…an approach for improving the thermal performance of buildings in North Africa (Ph.D.). Institute of African Research and Studies, Cairo University, pp. 95-97. (25) للمزيد من التفاصيل انظر: يحيى وزيري (2004). العمارة الإسلامية والبيئة. سلسلة عالم المعرفة عدد (304)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص132، ص218،217. (26) Yehia Wazeri: the previous reference, pp. 97. (27) للمزيد من التفاصيل انظر: آمال عبدالحليم الدبركى ( 1999). التهوية الطبيعية كمدخل تصميمى في العمارة السالبة (رسالة ماجستير). قسم العمارة بكلية الهندسة، جامعة عين شمس، ص 87، 89. ([28] ) Givoni : the previous reference, pp.86. (29) للمزيد من التفاصيل انظر الموقع الاليكترونى التالى:
* www. ar.wikipedia.org


الأحد، 28 أبريل، 2013

هل يمكن رؤية الله يوم القيامة؟ (4)

تحدثنا في المقالات السابقة عن رؤية الله يوم القيامة وتركز الحديث بما نشرناه من آيات وأحاديث نبوية شريفة عن ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى من آيات ربه الكبرى ولم ير الله سبحانه وتعالى بعينه المجردة، وكان التساؤل عن امكانية رؤية الله يوم القيامة واستعرضت في هذا البحث عددا من الآيات التي تفسر قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ*الَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة:22/ 23). بمعنى الانتظار والترقب لرحمة الله.وليس في هذا البحث ما يخرج المرء عن دينه فهناك من يفصل الاسلام على مقاسه والا فما المانع ان يتساءل مسلم عن (رؤية الله) ان كانت رؤية ممكنة بالعين المجردة أو لا؟، حين استوقفتني آيات الله البينات مثل قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الانعام: 103).وقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} (طه: 110).وقوله تعالى: {أَلَا انَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} (فصلت: 54).اضافة الى تفسير الحافظ ابن جرير الطبري لقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ الَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (22/23 القيامة) وتعني الانتظار والترقب لرحمة الله ورضوانه.
قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِلَّةَ أَبِيكُمْ ابْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} (الحج: 78) من تعدى حدا من حدود الاسلام فقد ظلم نفسه الا ان هذا الدين الذي أقيم على حرية الاختيار وعدم الاكراه اذا تحول الى طقوس قصرية تلزم الناس اتباعها بالقوة والجبروت تفرغ الدين من محتواه الحقيقي.
هذا الدين تبلغ به ما تريد حين لا يرتضي العقيدة حتى يمكن لها الحجة، ولا يحفل بالعمل حتى يمحصه الاخلاص، ولا يعبأ بالايمان حتى يغرسه وينميه الاختيار الحر الكامل.
نعم فقد جعل الاسلام للمسلمين فيما بينهم للتواصي بالحق والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، ورعاية حدود الله، ونشر الحق في أرحب دائرة تستطاع بالبرهنة القوية شريطة ألا تكون الوسيلة أداة قهر وهيمنة تفرض على الناس باسم الاسلام، فان حدث ذلك فالاسلام من كل ذلك براء.
ثم كان البحث عن مرجعية كتاب الله العزيز عند تعارض الاحاديث معه واليوم اكمل البحث بحديث متواتر اعتمدته دار التقريب فكان مدخلا للحوار بين السنة والشيعة للتقريب بينهم.

حديث الثقلين:

جاء في الصحيح عن أبي سعيد الخُدْري، عن النبي (ص)، قال: «انّي أُوشكُ ان أُدعى فأُجيب، واني تاركٌ فيكم الثَّقَلَين، كتابَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وعِتْرَتي، كتاب الله حَبلٌ ممدود من السماء الى الأرض، وعترتي أَهْلُ بيتي، وأن اللطيف الخبير أَخبرني أَنهما لَن يفترقا حتى يَرِدا على الحوض، فَانْظُرُوني بِمَ تَخلُفُونِي فيهما»1.
وقد ورد هذا الحديث بصيغ مختلفة لوروده في عدة مناسبات لا تخرجه عن مضمونه.
نظريا لا خلاف بين المسلمين على اعتبار القرآن هو المصدر الأول والأساسي في تكوين المعارف الاسلامية في الحقول المختلفة وأنه الميزان والمعيار في تصويب الآراء والأفكار ولكن على جانب العملي يبدو ان هذا الدور المرجعي ووظائفه المتعددة الأطراف أمر غير متحقق الا في موارد محدودة وهذا يعني الهجران الذي حذرت منه بعض الآيات والنصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة كقوله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ ان قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا} (الفرقان: 30).
فقد اقتصرت مهمة القرآن لدى المسلمين على التلاوة والحفظ وكسب الثواب..أو اتخاذه تميمة للأطفال أو قراءة سطحية لا تسبر أغواره ولا تستشف معانيه.
ومما زاد في تنافر الأمة: ابتعادهم عن كتاب الله، والتمسك بمرجعيته عن طريق العترة الطاهرة، كما أمرهم نبي الاسلام - هؤلاء الذين يمثلون الثقل الأصغر للقرآن - أما الشيعة فأخذوا بالعترة وأغفلوا القرآن الا من رحم الله فتجد طالب العلم في الحوزة يتعلم الصرف والنحو والبيان واللغة والحديث والرجال والدراية والفقه والأصول حتى يبلغ آخره مرتبة الاجتهاد وهو لم يدرس بتدبر وتعمق علوم القرآن وخصوصياته بحجة عدم الأخذ بظواهر القرآن الا بالرجوع الى الأحاديث المروية عن أهل البيت(عليهم السلام) لأنهم أعلم بمحكماته ومتشابهاته ومناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه..وكانت النتيجة ان أصحاب هذا الرأي من علماء الشيعة أنكروا حجية ظواهر القرآن من جهة وجعلوا الأحاديث حاكمة على القرآن من جهة ثانية.
ويقول الشيخ يوسف البحراني أحد المراجع الكبار في موسوعته الفقهية (الحدائق الناضرة، ج: 1، ص: 27): منهم من منع فهم شيء منه (القرآن) مطلقا حتى قوله: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (الاخلاص: 1).الا بتفسير من أصحاب العصمة عليهم السلام.
وللشيخ الحر العاملي في وسائل الشيعة، ج: 27، ص: 176، (باب (13): تحت عنوان (عدم استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن الا بعد تفسيرها من الأئمة المعصومين).
الأمر الذي أبعد الباحثين عن التدبر والاستنباط عن ظواهر القرآن، أما بعض أهل السنة والجماعة فأخذوا بالكتاب على الرغم من قولهم ان الخبر ينسخ الكتاب وتركوا العترة وبهذه الطريفة يكون كلا الفريقين قد ترك الكتاب والعترة فحدث الاختلاف حين تمسك كل فريق بأحاديثه ومصادره ولم يجعلا القرآن حكما يرجع المسلمون اليه عند الاختلاف والفرقة والتنابذ.
الا ان الحوزات العلمية لدى الشيعة قد تغير نهجها الآن فأخذت تولي القرآن دراسة وحفظا واستنباطا..عناية كبرى ستظهر آثارها في القادم من الأيام.
ان الأمر الذي لم يلاحظه أهل السنة والجماعة ان الشيعة الامامية قد خطوا خطوة مهمة في مجال التقريب حين طوروا نظرية انتظار الامام الغائب فأقاموا الدولة الاسلامية في ايران في خطوة جريئة قام بها الامام الخميني رحمه الله مؤسس الجمهورية الاسلامية لتقدم للمسلمين نموذجا من الحكم الاسلامي القائم بعضه على متطلبات العصر من انتخابات ومجالس شورى وغيرها والمرتكز على القيم الاسلامية في اقامة الدولة.

الإمام علي ومرجعية القرآن:

يقول عليه السلام ضمن وصاياه الى أبنائه: الله الله بالقرآن لا يسبقنكم بالعمل به غيركم.فهو منهاج لا يضل نهجه، ومنازل لا يضل نهجها المسافرون، وأعلام لا يعمى عنها السائرون، وآكام لا يجوز عنها القاصدون، ومعقل منيع ذروته، وعز لمن تولاه، وسلم لمن دخله، وهدي لمن ائتم به ..وحامل لمن حمله، ومطية لمن أعمله، وآية لمن توسم، وجنة لمن استلام، وحكم لمن قضى وتمسك بحبل القرآن واستنصحه وأحل حلاله وحرم حرامه. واعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا لأحد قبل القرآن من غنى.
وجاء في الحديث الصحيح عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).وقال: (ان أهل القرآن في أعلى درجة من الآدميين ما خلا النبيين والمرسلين فلا تستضعفوا أهل القرآن حقوقهم فان لهم من الله العزيز الجبار لمكانا عليا).
ويقول الامام الشيخ مهدي شمس الدين وهو غني عن التعريف ما نصه: (ان المصدر الأساسي للتشريع هو الكتاب والسُنة ولا يوجد غيرهما.في الكتاب والسُنة غنى وكفاية، والادعاء بأن النصوص قاصرة وأننا نحتاج الى ان نكمل النصوص بأدوات أخرى هذا الادعاء لا أثق به ولا آراه صحيحاً.النصوص ليست قاصرة)2.
وقد جاء عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: (ان الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء حتى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج اليه العباد حتى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا انزل في القرآن الا وقد أنزله الله فيه).
ومما تقدم يتبين لنا بشكل واضح وقطعي ان كتاب الله الكريم هو المصدر الأول والأساس لمعرفة أحكام الشريعة لأنه تبيان لكل شيء وهذا ما بينه الفقهاء في أصولهم حيث قال الشيخ المظفر في حجية الكتاب ما هذا نصه: (فهو - اذا - الحجة القاطعة بيننا وبينه تعالى، التي لا شك ولا ريب فيها، وهو المصدر الأول لأحكام الشريعة الاسلامية بما تضمنته آياته من بيان ما شرعه الله للبشر3.
كما ان الإمام الشافعي أيضاً قال:(ليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة الا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها)4.
وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المتقدم يؤكد لنا أهمية الثقل الاكبر وهو القرآن وانه المصدر الأساس في معرفة أحكام الشريعة الاسلامية وان فيه أصول جميع المسائل وفيه جواب السائل وحل الاختلاف عند المختلفين فقد نقلنا فيما تقدم أقوال الأئمة﴿عليهم السلام وغيرهم بأنه ما من أمر يختلف فيه اثنان الا وله أصل في كتاب الله وقد بينوا أيضاً بأن الكتاب فيه تبيان كل شيء وتفصيل لكل شيء تصديقاً لقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 89).وقوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ الَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} (الانعام: 38).وقوله تعالى: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (يوسف: 111).

السرخسي ومرجعية القرآن:

من الأحاديث الشريفة الواردة عن المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) في ضرورة عرض الأحاديث على القرآن ما نقله أبو بكر السرخسي قوله: تكثر الأحاديث لكم بعدي فاذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافقه فاقبلوه واعلموا أنه مني وما خالفه فردوه واعلموا أني منه بريء.المصدر: (أصول السرخصي، ج: 1، ص: 365).
ونقل الرازي حديثا آخر قال(صلى الله عليه وآله وسلم): [اذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فاقبلوه وان خالفه فردوه].(المحصول: للرازي، ج: 3، ص: 91).
ونقل الآمدي قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):[اذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فاقبلوه وما خالفه فردوه]. (الأحكام، للآمدي، ج: 2، ص 323).
البحث لم ينته ولكني الى هنا اتوقف لما تطلبه البحث من جهد وعناء ومتابعة شاكرا كل من شارك في اثراء هذا النقاش سلبا أو ايجابا وأرجو ان القراء الكرام قد استفادوا منه والله الموفق والهادي الى سواء السبيل.


الهوامش:

- مصادر حديث الثقلين كثيرة جدا لا يسع المجال لذكرها، ولكن أذكر هنا شيئا يسيرا، فممن رواه : 1 - الحافظ مسلم في (صحيحه) 7 : 122 و 123، طبعة مصر بأربع طرق . 2 - الحافظ الدارمي في (سننه ) 2 : 431، طبعة دمشق . 3 - الحافظ الترمذي في (صحيحه ) 13 : 199 و 200، طبعة مصر بعدة طرق . 4 - الحاكم النيسابوري في (المستدرك ) 3 : 109، 148 و 533، طبعة حيدر آباد الدكن بعدة طرق . 5 - شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الشافعي في (الاعتقاد ) : 163، طبعة القاهرة . 6 - وفي (السنن الكبرى ) 2 : 148، و 7 : 30، و 10 : 113، طبعة حيدر آباد الدكن . 7 - الحافظ محيي السنة البغوي في (مصابيح السنة ) 4 : 185، 189 و 190، طبعة دار المعرفة بيروت . 8- الحافظ المؤرخ ابن سعد في (الطبقات الكبرى ) 2 : 194، طبعة مصر . 9- الحافظ الطبراني في (المعجم الصغير ) 1 : 131 ‹ صفحة 129 › و 135، طبعة المدينة . 10- وفي (المعجم الكبير ) 5 : 171، 190، 205، 206، 537 و 538، طبعة بغداد، بعدة طرق . 11- الحافظ البسوي في (المعرفة والتأريخ ): 536، طبعة بغداد . 12- الحافظ ابن المغازلي في (المناقب ) .
2 - الاجتهاد والحياة حوار على الورق – حوار واعداد محمد الحسيني - ص23
3 - أصول الفقه، للشيخ محمد رضا المظفر - ج 3 - ص 54
4 - الرسالة، للشافعي - ص20 .


علي يوسف المتروك

الأحد، 21 أبريل، 2013

هل يمكن رؤية الله يوم القيامة (3)

writer image



جاء في قول مأثور: (ليست البلاغة بحدة اللسان، ولا بكثرة الهذيان، وانما باصابة المعنى، وقصد الحجة).
من عادتي ألا أرد على من يمتهن البذاءه والشتائم والارهاب الفكري سبيلا للحوار، الا فيما يوضح بعض التساؤلات بما يستلزم الرد عليها.
هذا الدين الخاتم مشروع حضاري يتفاعل مع الحياة بكل أبعادها، ولم يجعل الله سبحانه وتعالى لهذا الدين وكيلا للذود عنه، ولا لكتابه العزيز حاميا فقال سبحانه وتعالى: {إنا نحْن نزلْنا الذكْر وإنا له لحافظون} ثم جعل حرية الاعتقاد أساسا للعمل فقال جل من قائل: {قلْ كلّ يعْمل على شاكلته فربّكمْ أعْلم بمنْ هو أهْدى سبيلا} الاسراء 84.
تقتضي الأمانة العلمية قبل ان يتهمني هذا البعض بالكذب ان يطالبني بالدليل قبل ان يتخذ من هذه القضية شماعة للردح والقول البذيء. فهذا النهج الذي اتبعه ليس نهج دعاة بل نهج بغاة وطغاة.

مشروعية عرض الحديث على القرآن

يمكن الاحتجاج لمنهج عرض الحديث على القرآن بأدلة منطقية عقلية وشرعية تؤيد صحته بل وتجعله أكثر سلامة في قبول ورد الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسنعرضها على النحو التالي:
وخلاصة الدليل العقلي في هذه المسألة أننا نعلم ان الكتاب والسنة نابعان من مشكاة واحدة ولهما هدف واحد، وعلى هذا الاساس يقضي العقل بعدم اختلافهما واتفاقهما ولو في الاطار العام، اذ لا يعقل ان يصدرا عن الحكيم وهما متناقضان مختلفان.
وبما ان ثبوت القرآن قطعي قد وصل الينا بالتواتر وثبوت أحاديث الآحاد الواردة عن النبي (ص) ظنية يمكن فيها السهو والغلط، فالعقل يحكم بأن نقيم ما ورد عن طريق الظن على ضوء ما قطع بثبوته.

الدليل من القرآن

أخبرنا الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم انه أرسل الى الأمم السابقة رسلا وانزل كتبا لارشادهم الى المنهج الأمثل الذي يعرف الحق من خلاله ويحسم أي اختلاف يطرأ وفق نظامه فقال تعالى {كان النّاس أمّة واحدة فبعث اللّه النّبيّين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الْكتاب بالْحقّ ليحْكم بيْن النّاس فيما اخْتلفوا فيه} البقرة 213 وانكر على المعرضين عن ذلك المنهج فقال: {ألمْ تر الى الّذين أوتواْ نصيبا مّن الْكتاب يدْعوْن الى كتاب اللّه ليحْكم بيْنهمْ ثمّ يتولّى فريق مّنْهمْ وهم مّعْرضون} ال عمران 23.
وعندما تجاهلت الأمم انحرفت مسيرتها وأخذت تغرق في خصومة وجدل عقيم أدى الى اقدام كل طرف على مصادرة حق الآخر في الانتماء الى الفكر المشترك بينهم، وبنو اسرائيل أوضح مثال على ذلك فقد حكى لنا الله سبحانه وتعالى خلاصة حالهم بقوله: {وقالت الْيهود ليْست النّصارى على شيْء وقالت النّصارى ليْست الْيهود على شيْء وهمْ يتْلون الْكتاب كذلك قال الّذين لا يعْلمون مثْل قوْلهمْ فاللّه يحْكم بيْنهمْ يوْم الْقيامة فيما كانوا فيه يخْتلفون} البقرة 113.
فأخبر أنهم كانوا (يتلون الكتاب) لينبه بذلك على أنه كان بامكانهم الخروج عن الخلاف بالعودة الى كتاب ربهم الذي هو محل احترامهم جميعا، ولكنهم بتجاهلهم صاروا مثلا للذين لا يعلمون فقالوا مثل قولهم.
وعلى هذا النسق اكد الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة من خلال القرآن الكريم ان الرجوع الى كتابه عند الاختلاف، هو منهج مضمون، وطريق مأمون، فهو مصدر الهداية التي يمكنها الاعتماد عليه، قال تعالى: {وما اخْتلفْتمْ فيه منْ شيْء فحكْمه الى اللّه ذلكم اللّه ربّي عليْه توكّلْت واليْه أنيب} الشورى 10 وقوله {ان هذا القرْآن يهْدي للّتي هي أقْوم} 10 الاسراء وعندما سئلت أم المؤمنين عائشة عن الرؤيا في رحلة المعراج استشهدت بقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} وقوله تعالى: {وما كان لبشر ان يكلّمه اللّه الّا وحْيا أوْ منْ وراء حجاب}. الشورى 51. وهذا يعني أنها تحدثت بما يتفق وما جاء في كتاب الله العزيز.

وهذه جملة من الروايات التي تربط الأحاديث بكتاب الله العزيز.
-1 رواه ابن عساكر بسنده عن عاصم عن ذر عن علي قال: قال رسول الله (ص) ستكون على رواة يروون الحديث فاعرضوا القرآن فان وافقت القرآن فخذوها والا فدعوها. (المصدر تاريخ ابن عساكر 77/55).
-2 الحديث الثاني عن أبي هريرة رواه الخطيب البغدادي في الكفاية عن أبي هريرة عن النبي (ص) أنه قال: سيأتيكم عني أحاديث مختلفة، فما جاءكم موافقا لكتاب الله وسنتي فهو مني (المصدر الكفاية في علم الرواية 130/1).
-3 الحديث الثالث عن عبدالله بن جعفر روى الروياني في مسنده عن طريق زيد بن ابي أنيسه عن عبدالله بن المسور عن عبدالله بن جعفربن أبي طالب الهاشمي قال: قال رسول الله (ص): (اني سألت قوما من اليهود عن موسى فحدثوني حتى كذبوا عليه، وسألت قوما من النصارى عن عيسى فحدثوني حتى كذبوا عليه، وانه سيكثر على من بعدي كما كثر على من قبلي من الأنبياء، فما حدثتم عني بحديث فاعتبروه بكتاب الله فما وافق كتاب الله فهو من حديثي، وانما هدى الله نبيه بكتابه، وما لم يوافق كتاب الله فليس من حديثي (مسند الروياني 255/2).
-4 الحديث الرابع عن عبدالله بن عمر رواه الطبراني بسنده عن علي بن سعيد الرازي عن الزبير بن محمد بن الزبير الرهاوي عن قتادة بن الفضيل عن أبي حاضر عن الوضين عن سالم عن أبيه عبدالله بن عمر عن النبي (ص) قال: (سئلت اليهود عن موسى فاكثروا وزادوا ونقصوا حتى كفروا، وسئلت النصارى عن عيسى فأكثروا فيه وزادوا ونقصوا حتى كفروا، وانه سيفشو عني أحاديث فما أتاكم من حديثي فاقرأوا كتاب الله واعتبروه، فما وافق كتاب الله فأنا قلته ومالم يوافق كتاب الله فلم أقله (المصدر الطبراني 316/2 رقم 13224).
-5 الحديث الخامس عن ثوبان رواه الطبراني بسنده عن أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة عن اسحاق بن ابراهيم أبو النضر عن يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث عن ثوبان ان رسول الله (ص) قال: (ألا ان رحى الاسلام دائرة) قال: فكيف نصنع يارسول الله؟ قال: (اعرضوا حديثي على الكتاب فما وافقه فهو مني وأنا قلته) (المعجم الكبير 97/2).
هذه جملة من الروايات التي نفت رؤية المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في المعراج لربه بالعين المجردة كما سيأتي:
-1 أخرج مسلم في صحيحه، والترمذي في سننه، وأحمد في المسند، والبخاري في صحيحه: عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة -رضي الله عنها- فقالت: «يا أبا عائشة: ثلاث من تكلم بواحدة منهن، فقد أعظم على الله الفرية، من زعم ان محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، قال: وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين: أنظريني ولا تعجليني: ألم يقل الله عز وجل {ولقدْ رآه بالأفق الْمبين} {ولقدْ رآه نزْلة أخْرى} فقالت: أنا أول هذه الأمة، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء الى الأرض.
فقالت: ألم تسمع ان الله يقول {لا تدْركه الْأبْصار وهو يدْرك الأبْصار} [الأنعام 103]. أو لم تسمع ان الله يقول {وما كان لبشر ان يكلّمه اللّه الاّ وحْيا أوْ منْ وراء حجاب أوْ يرْسل رسولا فيوحي باذْنه ما يشاء انّه علي حكيم} [الشورى 51]..»...(1).
-2 قول ابن مسعود رضي الله عنه عن زر بن عبدالله بن حبيش، عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - في قوله تعالى: {ولقدْ رآه نزْلة أخْرى} [النجم 13]، قال: «رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته، له ستمائة جناح»(2).
-3 عطاء عن أبي هريرة في قوله تعالى {ولقدْ رآه نزْلة أخْرى} قال: «رأى جبريل». أخرجه مسلم في صحيحه 7/3 كتاب الايمان باب معنى قول الله عز وجل {ولقدْ رآه نزْلة أخْرى} رقم 434.
-4 قول أبي ذر رضي الله عنه، عن عبدالله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته، قال: عما كنت تسأله؟ قال: اذن لسألته هل رأى ربه؟ فقال: قد سألته أنا، قلت: فما قال؟ قال: «نور أنى أراه»، وفي رواية «رأيت نورا(3).
وقد أخرج الامام أحمد في المسند 147/5 من طريق عفان عن همام عن قتادة بلفظ «قد رأيته، نور أنى أراه» وأخرجه أيضا عبدالله بن أحمد في السنة 290-289/1 رقم 556 وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص 52 رقم 65 من طريق عفان عن يزيد بن ابراهيم عن قتادة بلفظ «قد رأيته» فقط. ونقل أبو عوانة 147-146/1 عقبه عن عثمان بن أبي شيبة أنه قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: «ما زلت منكرا لحديث يزيد بن ابراهيم حتى حدثنا عفان عن همام عن قتادة عن عبدالله بن شقيق قال قلت لأبي ذر»... الى آخر الحديث.ونقل هذا الكلام كذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره 453/7 عن الخلال فقال: «وقد حكى الخلال في علله عن الامام أحمد قد سئل عن هذا الحديث فقال: ما زلت منكرا له، وما أدري ما وجهه».
وهذا رد بليغ على من ادعى ان بعض الصحابة قرأ (أني) بدل (أنى) في الحديث وهذا ابن القيم تلميذ بن تيمية يفند هذا الادعاء فيقول: «سمعت شيخ الاسلام أحمد بن تيمية يقول في قوله صلى الله عليه وسلم: «نور أنى أراه» معناه كان ثمّ نور، وحال دون رؤيته نور فأنى أراه؟ قال: ويدل عليه ان في بعض ألفاظ الصحيح «هل رأيت ربك؟ فقال: «رأيت نورا».وقد أعضل أمر هذا الحديث على كثير من الناس، حتى صحفه بعضهم فقال: «نوراني أراه» على أنها ياء النسب، والكلمة كلمة واحدة، وهذا خطأ لفظا ومعنى، وانما أوجب لهم هذا الاشكال والخطأ أنهم اعتقدوا ان الرسول رأى ربه، وكان قوله «أنى أراه» كالانكار للرؤية حاروا في الحديث ورده بعضهم باضطراب لفظه، وكل هذا عدول عن موجب الدليل» مجموع الفتاوى 507/6، اجتماع الجيوش الاسلامية ص 48-47.
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية (728هـ) قال في مجموع الفتاوى: «وأما الرؤية، فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: «رأى محمد ربه بفؤاده مرتين» وعائشة أنكرت الرؤية. فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد.والألفاظ الثابثة عن ابن عباس هي مطلقة، أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول: «رأى محمد ربه»، وتارة يقول: «رآه محمد»، ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح أنه رآه بعينه... وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ فقال: «نور أنى أراه».
وقد قال تعالى {سبْحان الّذي أسْرى بعبْده ليْلا من الْمسْجد الْحرام الى الْمسْجد الأقْصى الّذي باركْنا حوْله لنريه منْ آياتنا} [الاسراء 1]، ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
وكذلك قوله {أفتمارونه على ما يرى} [النجم 12]، {لقدْ رأى منْ آيات ربّه الْكبْرى} [النجم 18]، ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
وفي الصحيحين عن ابن عباس: في قوله {وما جعلْنا الرّؤْيا الّتي أريْناك الّا فتْنة للنّاس والشّجرة الْملْعونة في الْقرْآن} [الاسراء 60]، قال: «هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به»، وهذه رؤيا الآيات لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم أنه رأى ربه بعينه، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه».مجموع الفتاوى 510-509/6.
وللحديث بقية.

الهوامش:
(1) أخرجه مسلم في صحيحه 13-9/3 كتاب الايمان باب معنى قوله تعالى: {ولقدْ رآه نزْلة أخْرى} رقم 428 س، والترمذي في سننه 263-262/5 كتاب التفسير باب:(ومن سورة الأنعام) رقم 3068. وأحمد في المسند 50-49/6. وأخرجه البخاري في صحيحه 472/8 كتاب التفسير باب من سورة النجم رقم 4855.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 360/6 كتاب بدء الخلق باب اذا قال أحدكم آمين...الخ رقم 3232، وفي 476/8 كتاب التفسير باب {فكان قاب قوْسيْن أوْ أدْنى} رقم 4856، 4857، ومسلم في صحيحه 6/3 كتاب الايمان باب في قوله تعالى {ولقدْ رآه نزْلة أخْرى} رقم 431.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه 15/3 كتاب الايمان باب في قوله صلى الله عليه وسلم: «نور أنى أراه» وفي قوله: «رأيت نورا» والترمذي 396/5 كتاب التفسير باب ومن سورة النجم رقم 3282.

علي يوسف المتروك

هل يمكن رؤية الله يوم القيامة (2)

writer image



شكرا لكل من علق على مقالي المنشور في جريدة «الوطن» الغراء يوم الأحد، الموافق: 24 مارس. تحت عنوان: (هل يمكن رؤية الله يوم القيامة).
ولم يدر بخلدي ان هذا المقال سيحدث هذه الضجة حيث انبرت جماعة من المشايخ الأفاضل للرد في جريدة الأنباء يوم الخميس الموافق 28 مارس 2013: اثباتا للرؤية كما كتب عدد من الاخوة الأعزاء في «الوطن» الغراء خلال تلك الفترة حول هذا الموضوع نفسه وأريد هنا ان أسجل نقطة مضيئة تستوجب الاشادة بأن جميع الردود لم تخرج من أدب الحوار، وهكذا الدعوة عندما تكون لله كما يقول سبحانه وتعالى: {ادْعُ الَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125).
وهذه الآية رسمت طريق الحوار بين الكفار والمسلمين فكيف اذا كان الحوار بين المسلمين أنفسهم عندما يختلفون في اثبات رأي أو نفيه.
كان من أشد المتحمسين لمتابعة هذا النقاش وما ورد فيه من أدلة أخي الفاضل الأستاد سليمان ماجد الشاهين وزير الدولة الأسبق وقد وصف هذا النقاش وهذا الطرح بالعصف الفكري الذي يخرج الساحة من الركود والتبلد الى النشاط والمعرفة فالقرآن الكريم أمرنا ان نتفكر بآيات الله فقال عز من قائل بقوله: {انَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الرعد: 3).
وأمر ان نحكم العقل فقال: {انَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (الرعد: 4).
وذم من لم يستعمل عقله فقال سبحانه: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (الأعراف: 179).
وأمر سبحانه ان نتدبر القرآن ونمعن النظر في آياته فقال عز من قائل: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد: 24).
وفي خضم ما جاء في كتب التراث وما تضمنته بعضها من أحاديث لا تنسجم مع العقل والمنطق القرآني بل أحاديث مغرقة بالخيال كقول أكثر من واحد بأنه:(رأى الله في المنام).وادعاء بعضهم بأنه:(يزور الله في السماء) وآخر:(طلب من الله ان يكلمه باللغة الفارسية)، ونقل عن أحدهم:(أنه أحيى حماره بعد ان مات).وهي موثقة ونقلتها كتب التراث المعتبرة، ولكنا لسنا بصدد هذه الروايات حتى لا تخرجنا من صلب الموضوع.
ويبدو ان بعض المتربصين بالاسلام دس هذه الأحاديث لتكون جزءا من التراث الاسلامي.وازاء هذه الحالة فان مرجع المسلمين -كما أمرهم نبيهم صلوات الله عليه وآله -هو الرجوع الى كتاب الله العزيز، فقد ورد عنه أنه قال: ستكثر الكذابة من بعدي.فاذا جاءكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله فان وافق فخذوا به وان خالف فاضربوه عرض الحائط.
وبما أننا بصدد الكلام عن عدم رؤية الله في يوم القيامة فليس جديدا وانما كان رأيا قديما بل كان هو الرأي السائد في الصدر الأول من الصحابة والتابعين الى أوائل القرن الثاني عندما تولى المعتزلة الحكم ابتداء من عهد المأمون وهو رأي الشيعة أيضا ولم يتغير هذا الرأي الا بعد ما سيطر أهل الحديث على الحكم العباسي -أيام المتوكل- وأقصيت المعتزلة ونكل بهم أشد التنكيل وكانت نقطة صراع يتبين منها الموالي للحكم العباسي والخارج عليه مثلها مثل فتنة الامام أحمد في «خلق القرآن».
ومن هذا المبدأ فسَّر الاباضية وغيرهم من المذاهب التي ذهبت الىَ هذا الرأي كُلّ الآيات والأحاديث التي تُوهم التشبيه أو الرؤية، بما يتناسب مع صفات الله التي لا تتبدل ولا تتغير، والمتتبع للقرآن الكريم لا يجد آية صريحة في مسألة الرؤية، بل ان الآيات والأحاديث التي تنفي الرؤية أكثر وأصرح من الآيات والأحاديث التي تثبتها.
وقال حسن بن علي السقاف القرشي في شرحه على العقيدة الطحاوية في الرؤية ص 583: وأما في الآخرة فذهب جمهور أهل السُّنة الى اثبات رؤية الله تعالى للمؤمنين في الجنة، واحتجوا بقوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة.الى ربها ناظرة}، وبقوله تعالى عن الكافرين: {كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}، وبحديث: انكم سترون ربكم كما ترون هذا البدر، وفي رواية: كما ترون الشمس في رابعة النهار ليس دونها سحاب، وهو في البخاري ومسلم.
وخالفهم في ذلك جماعة من أهل السُّنة والجماعة وغيرهم كالسيدة عائشة رضي الله عنها ومجاهد وأبي صالح السمان وعكرمة وغيرهم، وكذا المعتزلة والاَباضية والزيدية، واحتجوا بقول الله تعالى: لا تدركه الاَبصار وهو يدرك الاَبصار}، وأوَّلوا الآيات التي احتج بها جمهور أهل السنة بأن المراد بالآية هو: وجوه ناضرة مسرورة لاَنها تنظر ثواب ربها وعطاءه وجنته وانعامه، كما أنه هناك بالمقابل وجوه يومئذ باسرة عابسة تظن ان يفعل بها فاقرة أي مصابة بداهية كبيرة، وهذا الكلام هو بيان ما يكون في أرض المحشر، وحال المؤمنين والكافرين يومئذ، والرؤيا انما تكون في الجنة.
قالوا: فالمقام هنا مقام مقابلة بين وجوه تنتظر الثواب ووجوه تنتظر العقاب، ورؤية الله تعالى غير مرادة هنا وخصوصاً ان الكلام يتعلق بالموقف قبل الدخول للجنة والنار، وأنتم يا جمهور أهل السنة والجماعة تقولون بأن الرؤية انما تتم في الجنة لا في أرض المحشر، وهذا الكلام يتعلق في أرض المحشر.
ورد هؤلاء على من قال من أهل السنة بأن لفظ (ناظرة) لا تأتي عربية بمعنى منتظرة، فقالوا: ان ذلك ليس صحيحاً، بل قد ورد في القرآن الكريم باثبات ان معنى ناظرة منتظرة! ومن ذلك قوله تعالى عن بلقيس: {وَانِّي مُرْسِلَةٌ الَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} (النمل: 35).، أي منتظرة بم يرجع المرسلون، وهو واضح ظاهر.
كذلك قالوا بأن المراد بقوله تعالى: {كَلَّا انَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} (المطففين: 15).، أي عن ثواب ربهم واكرامه وانعامه، والحجاب أيضاً هو عن كلامه لا عن رؤيته، لاَن الله تعالى يقول وهو أصدق القائلين: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (البقرة: 174) ثم قال في آخر بحثه ص 590: فتبين من هذا كله ان هذه الآيات لا يصح الاِستدلال بها في مسألة اثبات الرؤية، والله تعالى الموفق.انتهى.
نص القرآن الكريم على ان من آياته محكم ومتشابه في قوله تعالى: {مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} (آل عمران: 7).
وهذه الآية التي اعتمد عليها القائلون بالرؤية والمدافعون عن هذه النظرية قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ الَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة:23-22).
وهذه الآية من الآيات المتشابهة التي تحتمل عدة معان واللغة العربية التي نزل بها القرآن تحمل الكثير من الاستعارات والكنايات والتشبيهات.
والقاعدة التي قررها العلماء ان يحمل المتشابه على المحكم وكلمة (نظر) تكررت في أكثر من آية واستعملت في عدة معان منها الانتظار والامهال والترقب وهذه نماذج من بعض الآيات التي وردت بهذا السياق:
1 - يقول القرآن: {مَا يَنْظُرُونَ الَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} (يس: 49).(أي: ما ينتظرون ويترقبون).
2 - {وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ الَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} (ص: 15).(أي: ما ينتظرون).
3 - {هَلْ يَنْظُرُونَ الَّا السَّاعَةَ ان تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} (الزخرف: 66).(أي: هل ينتظرون).
4 - {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} (الحديد: 13).(أي انتظرونا نقتبس).
5 - {هَلْ يَنْظُرُونَ الَّا ان تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ } (النحل: 33).(أي: هل ينتظرون).
6 - {اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ الَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} (النمل: 28).(أي فانتظر...).
7 - {وَانِّي مُرْسِلَةٌ الَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} (النمل: 35). (أي: اني منتظرة).
8 - {انَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} (النبأ: 40). (أي: ينتظر ويترقب).
9 - {وَانْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ الَى مَيْسَرَةٍ } (البقرة: 280).(أي: انتظار وامهال الى ميسرة).
10 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ الَّا ان يُؤْذَنَ لَكُمْ الَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ انَاهُ وَلَكِنْ اذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَاذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ان ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} (الأحزاب: 53).قال ابن جرير الطبري: يعني: غير منتظرين ادراكه وبلوغه.جامع البيان،( ج 22، ص 42).
ولعل في هذه الآيات المباركة التي ترادفت فيها كلمة النظر بمعنى الانتظار والترقب والامهال كافية لاعطاء الدليل الواضح على ان الآية المباركة {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ الَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة:23-22).منتظرة نعماءه ورضوانه.وهذه الآية مقابل التي تليها وهي قوله تعالى: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ*تَظُنُّ ان يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} (القيامة: 25). (أي تنتظر العذاب وسوء المنقلب).
قلنا فيما سبق ان الكلام ليس في وجود الله بل كلنا نقول بوحدانيته وكلامه ولكن البحث هل ان الله يراه الانسان بالعين المجردة كما يدعيه أصحاب الرؤية، وهذا يستلزم النقص والجسمية والتشبيه بالمخلوق أم ان الله تعالى ليس قابلا للرؤية ولا يصح الاحاطة به فقد قال عن نفسه: {انَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} (فصلت: 54).فكيف يظهر في جزء من مخلوقاته فيحيط به المحاط؟ وهل ظهور الله سبحانه وتعالى بوجهه فقط أو بجسمه فيتحول الى جسم مادي فيراه أهل الجنة يوم القيامة وهو الذي قال عن نفسه: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الانعام: 103).
وهذه الآية ونحوها التي تنفي الرؤية من الآيات المحكمات واستحالة الرؤية الحسية لله تعالى التي لا تقبل التأويل وترفض المعنى المقابل بصورة قاطعة، ومعنى الآية أنه لا تحيط به الأوهام وهو تعالى يحيط بها فمن أدركه فقد شاركه في صفة الادراك، فمن لطافته لا يدرك ولا يحيط به البصر لاستحالة احاطة المحدود بغير المحدود.كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: 11).وكقوله تعالى {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} (طه: 110).والآية محكمة واضحة لا يمكن ان يحيط الانسان بالله علما أي: أيّ علم كان سواء بالبصر أو غيره فلا يعرف ولا يحاط به..
وقال الامام ابن عاشور في تفسيره على الآية الكريمة في معنى اللطيف: «صفة مشبهة تدل على صفة من صفات ذات الله تعالى، وهي صفة تنزيهه تعالى عن احاطة العقول بماهيته، أو احاطة الحواس بذاته وصفاته فيكون اختيارها للتعبير عن هذا الوصف في جانب الله تعالى هو منتهى الصراحة والرشاقة في الكلمة، لأنها أقرب مادة في اللغة العربية تقرب معنى وصف ذاته تعالى بحسب ما وضعت له اللغة من متعارف الناس».تفسيره الآية 143 من سورة الأعراف.
وقد وصف من طلب من النبي موسى رؤية ربه من السفهاء فقال: {قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَايَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ان هِيَ الَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} (الأعراف: 155).
وذم الله تعالى من طلب الرؤية واعتبرها كفرا بقوله تعالى في الآيات التالية: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ ان تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا} (النساء: 153).
واعتبرهم من المجرمين بحق الله تعالى فقال: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} (الفرقان:22-21).
وقال تعالى:{أَمْ تُرِيدُونَ ان تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْايمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} (البقرة: 108).
ويبدو من هذه الآية وجه شبه بين مطالبهم ومطالب بني اسرائيل، ومن هنا فقد شدد القرآن النكير على هؤلاء واعتبر ان مطلب الرؤية خروج عن الملة بقوله: {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْايمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}.
سيكلم الله المؤمنين يوم القيامة أي يخلق الصوت في الجو فيسمعه المؤمن ولا يكلم المجرمين ذلك علامة لرضاه ولزيادة اطمئنانهم ورفع الخوف والقلق من نفوسهم قال: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (البقرة: 174).وقال تعالى: {انَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ الَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (آل عمران: 77).والنظر هنا بمعنى رحمته ولطفه بهم وهو يفسر لنا قوله تعالى: {نَاظِرَةٌ} (القيامة: 23).
وروى حماد بن عمرو النصيبي، قال: سألت الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن قوله تعالى: {قل هو الله أحد}، فقال: نسبة الله الى خلقه أحدا صمدا أزليا صمديا لا ظل له يمسكه وهو يمسك الأشياء بأظلتها، عارف بالمجهول، معروف عند كل جاهل، فردانيا، لا خَلْقَه فيه ولا هو خلقِه، غير محسوس ولا مجسوس، لا تدركه الأبصار، علا فقرب ودنا فبعد، وعصي فغفر وأطيع فشكر، لا تحويه أرضه ولا تقله سماواته، حامل الأشياء بقدرته، ديمومي أزلي، لا ينسى ولا يلهو ولا يغلط ولا يلعب، ولا لارادته فصل وفصله جزاء وأمره واقع، لم يلد فيورث ولم يولد فيشارك، ولم يكن له كفوا أحد.

عائشة وانكار الرؤية:

وأورد البخاري في صحيحه عن عامر عن مسروق: «قال قلت لعائشة: يا اُمّتاه هل رأى محمد (صلى الله عليه وآله)ربّه؟
فقالت: لقد قفّ شعري ممّا قلت! أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب؟
من حدثك ان محمدّاً (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى ربّه فقد كذب، ثم قرأت: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)، (وما كان لبشر ان يكلّمه الله الاّ وحياً أو من وراء حجاب)، ومن حدّثك أ نّه يعلم ما في غد فقد كذب ثم قرأت: (وما تدري نفس ماذا تكسب غداً) ومن حدّثك أ نّه كتم فقد كذّب ثم قرأت: (يا أيّها الرسول بلّغ ما اُنزل اليك من ربّك...)الآية ولكنه رأى جبرئيل في صورته مرتين»(1).
وأخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قال عندما سئل عن رؤيته لربه: (نور أنَّى أراه).
ووجه الاستدلال به ان النبي صلى الله عليه وسلم استبعد فيه حصول الرؤية بقوله: (أنَّى أراه) فان أنَّى بمعنى كيف، وهو شاهد على استحالة رؤيته تعالى(2).
ومن حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وسؤال أبي ذر رضي الله عنه يتبين ان المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لم ير الله في هذه الرحلة التي شرفه الله بها ولم يعط هذه الفضيلة لغيره من الأنبياء عليهم السلام، فكيف ننتظر منه سبحانه وتعالى ان يغير من كينونته ليتحول الى جسم مادي يراه العباد يوم القيامة وهو الكبير المتعال {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} (الانعام: 100).
وورد في فردوس الأخبار عن ابن عباس رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) يحكم فيها بشرك من شبّه الله بغيره(3)، وهو ما يوضّح موقف ابن عباس من مثل هذه القضية.
ويروي الثعالبي في كتابه الجواهر الحسان: ان عائشة وجمهور الصحابة كانوا يفسّرون قوله تعالى: (ولقد رآه نزلة اُخرى) بارجاع ضمير رآه الى جبرئيل(عليه السلام)(4) تنزيهاً لله عن الرؤية.وورد ان عائشة لما سمعت قائلاً يقول: ان محمداً رأى ربّه، قالت: لقد قفّ شعري ممّا قلت، ثلاثاً، من زعم ان محمداً رأى ربّه فقد أعظم الفرية على الله تعالى(5).
ولقد ردّ الشيخ سلامة القضاعي الشافعي المتوفّى سنة (1379هـ) على من ادّعى ان السلف كانوا على القول بالرؤية في يوم القيامة، فكتب يقول:
«اذا سمعت في بعض عبارات بعض السلف، انّما نؤمن بأنّ له وجهاً لا كالوجوه، ويداً لا كالأيدي، فلا تظنّ أ نّهم أرادوا ان ذاته العليّة منقسمة الى أجزاء وأبعاض فجزء منها يد وجزء منها وجه، غير أ نّه لا يشابه الأيدي والوجوه التي للخلق.حاشاهم من ذلك وما هذا الاّ التشبيه بعينه، وانّما أرادوا بذلك ان لفظ الوجه واليد قد استعمل في معنى من المعاني وصفة من الصفات التي تليق بالذات العلية كالعظمة والقدرة، غير أ نّهم يتورعون عن تعيين تلك الصفة تهيّباً من التهجّم على ذلك المقام الأقدس، وانتهز المجسمة والمشبهة مثل هذه العبارة فغرروا بها العوام وخدعوا بها الأغمار من الناس وحملوها على الأجزاء فوقعوا في حقيقة التجسيم والتشبيه وتبرأوا من اسمه، وليس يخفى نقدهم المزيف على صيارفة العلماء وجهابذة الحكماء»(6).
كتب كثير من المفسرين وأصحاب السير وعلماء المسلمين بتزكية ابن جرير الطبري ووثاقته وأكتفي بما قال عنه شيخ الاسلام ابن تيمية: «وتفسير محمد بن جرير الطبري هو من أجلِّ التفاسير وأعظمها قدرًا»...[ابن تيمية: مجموع الفتاوى الكبرى 361/13]. وقال أيضًا: «وأما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري، فانه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين كمقاتل بن بكير والكلبي» [المصدر السابق نفسه 385/13].
واليكم ما رواه الحافظ ابن جرير الطبري حول تفسيره قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ الَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة:23-22).
27629 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عمر بن عبيد، عن منصور، عن مجاهد وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة قال: تنتظر منه الثواب.
* - قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد الى ربها ناظرة قال: تنتظر الثواب من ربها.
* - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبدالرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد الى ربها ناظرة قال: تنتظر الثواب.
* - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور عن مجاهد الى ربها ناظرة قال: تنتظر الثواب من ربها، لا يراه من خلقه شيء.
27630 - حدثني يحيى بن ابراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن مجاهد وجوه يومئذ ناضرة قال: نضرة من النعيم الى ربها ناظرة قال: تنتظر رزقه وفضله.
27631 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال: كان أناس يقولون في حديث، فيرون ربهم فقلت لمجاهد: ان ناسا يقولون انه يرى، قال: يرى ولا يراه شيء.
27632 - قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله الى ربها ناظرة قال: تنتظر من ربها ما أمر لها.
27633 - حدثني أبو الخطاب الحساني، قال: ثنا مالك، عن سفيان، قال: ثنا ‹ اسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة قال: تنتظر الثواب.
وقد احتج بعض الإخوة من دعاة الرؤية بأن قوله تعالى {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} (ق:35-34).
ولماذا نحمل الكلمات أكثر مما تحتمل فنفسر المزيد برؤية الله فلماذا لا يكون مزيدا من النعم والاكرام كما يبدو من السياق فالمؤمنون في ضيافة الله فقال قال سبحانه وتعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (السجدة: 17).
وقال ابن جرير الطبري في تفسير وقوله: لهم ما يشاءون فيها يقول: لهؤلاء المتقين ما يريدون في هذه الجنة التي أزلفت لهم من كل ما تشتهيه نفوسهم، وتلذه عيونهم.
وقوله: ولدينا مزيد يقول: وعندنا لهم على ما أعطيناهم من هذه الكرامة التي وصف جل ثناؤه صفتها مزيد يزيدهم اياه.جامع البيان - ج 26 - ص 223.
ما كتبناه في هذا البحث هو غيض من فيض.أرجو ان يكون قد أثرى الساحة بكثير من الأدلة والايضاحات ويظهر مما سبق ان الرؤية مسألة خلافية حتى بين أهل السنة والجماعة أنفسهم، كما أرجو ألا يعتقد أحد ان اثارة مثل هذه المواضيع تؤدي الى النزاع والى الفرقة بين المسلمين، فليكن لدينا سعة صدر ورؤية منفتحة لقبول الرأي والرأي الآخر، والله الهادي الى سواء السبيل.



هوامش:
- صحيح البخاري: 50/6، مسند أحمد: 49/6 .
2 - صحيح مسلم ج 1 - ص 111
3 - فردوس الأخبار، الديلمي: 206/4 ط دار الكتاب العربي.
4 - الجواهر الحسان : 253/3.
5 - شرح الاُصول الخمسة، القاضي عبدالجبار: 268 ط القاهرة.
6 - بحوث في الملل والنحل : 120/4 ـ 121، نقلاً عن فرقان القرآن : 80 للقضاعي.


علي يوسف المتروك
ali.almatrook@yahoo.com

هل يمكن رؤية الله يوم القيامة (1)


writer image



سؤال يثور حوله الجدل والحيرة، وهو هل يرى الانسان الله بعينه المجردة يوم القيامة؟ وسيبقى هذا السؤال بلا اجابة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
هذا الغيب المنيع المستتر عن العيون، هذا الاله الذي كل ما في الكون يدل على أنه واحد، وقد دل على نفسه بنفسه فقال في حديث قدسي عن علة خلق الانسان بقوله: (كنت كنزاً مخفيا فخلقت الخلق لكي أعرف).
لقد حدثنا القرآن الكريم عن معاناة ابراهيم الخليل عليه السلام، وهو يبحث عن ربه ويتحدث القرآن عن هذه الحادثة فيقول: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُفَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ انِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}(78/77الانعام).
لم يطلب ابراهيم ان يرى الله سبحانه وتعالى، ولكنه سأله كيف يحيي الموتى، فطلب منه ما هو مذكور في القرآن الكريم من ذبح أربعة طيور وتوزيعها ثم مناداتها وقد فعل فأتته الطيور اطمئنانا لقلبه بقدرة الباري سبحانه وتعالى على احياء الموتى.
أما موسى الكليم فتحت الحاح بني اسرائيل قال: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ الَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ الَى الْجَبَلِ فَانِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ الَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} (145 الاعراف).
ومن سياق هذه الآية نرى ان موسى الكليم عليه السلام كان يعرف مسبقا أنه لا يستطيع رؤية الله بعينه المجردة، ومن هنا قال: أرني أنظر اليك أي اجعل عيني تستطيع ان تراك وكانت النتيجة كما روتها الآية الكريمة.فهو يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار، كما وصف نفسه سبحانه وتعالى.
ويروي القرآن الكريم عن رحلة المصطفى صلى الله عليه وآله في الاسراء بقوله: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} (18 النجم) وفي آية أخرى {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى الَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} (10-9 النجم) ولم يقل هو صلوات الله عليه أو أحد من رواة الحديث أنه رأى الباري سبحانه وتعالى رؤيا العين.
تثبت الأدلة العقلية ان الله لا يمكن ان يرى بالعين، لأن العين المجرده لا تستطيع ان ترى الا الأجسام، وأقرب مثال على ذلك عدم القدرة على رؤية الهواء مثلا، فاذا لم يكن الشيء جسما لا يمكن ان تراه العين، وبمعنى اذا تمكنا من رؤية شيء بالعين فلأن لهذا الشيء حيزا وكتلة، في حين ان الله سبحانه وتعالى أرفع من ان يتصف بهذه الصفات، فهو وجود غير محدود ليس كمثله شيء، وهو اسمى من عالم المادة المحدود، والدليل على بطلان نظرية رؤية الله هو أننا اذا آمنا بالمعاد الجسماني فان الأمر لا يختلف بين الدنيا والآخرة، وبما ان الباري سبحانه وتعالى فوق المادة فهو لا يتبدل الى الوجود المادي، ولا يخرج من لا محدوديته ليصبح محدوداً، ولا يتحول الى جسم، ومن هنا دلت الأدلة العقلية على عدم امكان رؤية الله سواء في الدنيا أو الآخرة لأن حكم العقل لا يتغير سواء هنا او هناك.
وبناء على ذلك فان القول بأن الانسان لا يرى الله في هذه الدنيا ولكن المؤمنين يرونه يوم القيامة غير منطقي، وغير مقبول، أما الآيات القرآنية التي يبدو منها لأول وهلة أنها تدل على الرؤية والتجسيم مثل قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة} {ويد الله فوق ايديهم} فانها من باب الكناية والرمز، ومعنى وجوه الى ربها ناظرة تعني منتظرة الى رحمة ربها، أو ناظرة الى ثواب ربها كقوله تعالى: {فنظرة الى ميسرة} والدليل على امتناع الرؤية ان وجوب وجوده يقضي تجرده، ونفي الجهة والحيز عنه فتنتفي الرؤية بالضرورة، فان كل مرئي فهو في جهة يشار اليه انه هنا أو هناك، ويكون مقابلا أو في حكم المقابل، ولما انتفى هذا المعنى عنه انتفت الرؤيا.
ويقول علي عليه السلام في وصف الله سبحانه وتعالى في خطبة له كما جاء في نهج البلاغة قوله عليه السلام: أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الاخلاص لَهُ، وَكَمَالُ الاخلاص لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَة أَنَّها غَيْرُ الْمَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوف أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ.فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ الَيْهِ، وَمَنْ أَشَارَ الَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ.وَمَنْ قَالَ «فِيمَ؟» فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ «عَلاَمَ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ.كائِنٌ لاَ عَنْ حَدَث، مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَم.مَعَ كُلِّ شيء لاَ بِمُقَارَنَة، وَغَيْرُ كُلِّ شيء لاَ بِمُزَايَلَة، فَاعِلٌ لاَ بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ والآلة بَصِيرٌ اذْ لاَ مَنْظُورَ الَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ، مُتَوَحِّدٌ اذْ لاَ سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بهِ وَلاَ يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ.


علي يوسف المتروك

الجمعة، 12 أبريل، 2013

رئيس المخابرات الأمريكية الأسبق "جيمس وولس" يكشف ما وراء المشهد

فيديوالربيع العربي صناعة أمريكية 
وخطة مدبرة منذ عشر سنوات!!

الآن.. والأرض العربية مائجة تبحث عن قرار، ملتهبة الأحشاء تبحث عن مائها العذب الذي امتزج بدماء أبنائها، هل تصل إلى بغيتها لتحقق هدفاً كان هو حلم شعوبها، تنتقص أطرافنا يوماً بعد يوم وتمزق أوصالنا.. وتمرح الفوضى وتجوب هنا وهناك لتبني صرحاً محكماً على أرضنا طالما طمح إليه الغرب تحت مسمى "الفوضى الخلاقة".
حلم العرب ما يزال متعثراً، بل ما نخشاه أن يكون الجنين قد ولد منذ البداية ميتاً، أو أن الحمل كان كاذباً، وهذا ما يبدو في كثير من التحليلات والوثائق التي وصفت هذا الربيع بأنه أكبر خدعة للعرب، للقضاء على الدولة العربية برمتها.
الثورات العربية التي جسدها المسرح العربي بانتصارات تجلت صورتها في بعض البلدان في بادئ الأمر، والتي تحولت الآن إلى دراما ومأساة إنسانية، يبدو أنها كانت انتصارات ذائفة كما يرى البعض، كان الغرض منها استكمال الطريق بوقود هذه الانتصارات التي تجلت في سقوط الحكام لتنساق الشعوب بعدها إلى فخ "الفوضى الخلاقة".
يبدو أن هذه الدراما هي ما كانت محجوبة في الكواليس التي يكشف عن أحد مشاهدها رئيس المخابرات الأمريكية الاسبق "جيمس وولسي" حيث يقول في فيديو يعود لعام 2003، إن خطة تمزيق العرب تمضي في طريقها بالاعتماد على الشعوب نفسها التي تعاني بركاناً من الظلم في صدورها، حيث يتم استغلال هذه الشعوب بالتهيئة لها ومساندتها للثورة على حكامها، لضمان توتر الحكام، مشيراً إلى أن هذا "ما نريده نحن"، ليأتي بعدها زحفنا.
الحلم الذي انتفضت الشعوب لتحقيقه، كان نفسه الطعم الذي لم يبصرونه في لحظات الغضب.. ما نخشاه أن تكون هذه هي الحرب التي لم نرها، أن تكون هي ذاك الذئب في ثوب الحمل، ويبقى السؤال.. هل تستفيق الأمة قبل أن ينسج المخطط ما تبقى له من خيوط؟.. ليردوا بضاعة الغرب إليه، ويعيدون بناء ما هدمه الغرب ويردون كرة اللهب عليهم.




السبت، 6 أبريل، 2013

الأجمل والأغرب والأخطر (فيديو )

الربيع العربي يتحول شتاءً قارساً ولا بديل عن خطة مارشال إنقاذية

كتب/
مجيد جعفر
الرئيس التنفيذي لشركة نفط الهلال
ومؤسس خطة الاستقرار العربي


تحول ما يسمى الربيع العربي، بعد مرور عامين عليه، الى شتاء قارس، بعد أن أخفقت الحكومات في التعامل بفعالية وكفاءءة مع الأسباب الرئيسية لاستمرار حالة عدم الاستقرار المتمثلة في البطالة المزمنة وندرة الفرص الاقتصادية. الأمر الذي يخلق حاجة ماسة الى وضع خطة دولية بقيادة عربية للتعامل مباشرة مع نقص فرص العمل وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في أنحاء المنطقة.
تركز خطة الاستقرار العربية، بعد الاستهداء والاستلهام بخطة مارشال التى تبنتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية لاعادة اعمار الاقتصاد المنهار في أوروبا الغربية وحمايتها من الوقوع في براثن الشيوعية، على خلق فرص عمل من خلال الاستثمار في البنى التحتية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وحماية المنطقة من تصاعد التطرف.
الخطة عبارة عن سياسة يقودها القطاع الخاص وضعها فريق من خبراء الاقتصاد المختصين بالتنمية وبالتشاور مع الحكومات الاقليمية والمؤسسات الدولية وقادة الأعمال والشركات من العالم العربي. وتضع خطة الاستقرار العربي تصورا لخطة اقتصادية متعددة الأطراف تركز على خلق فرص العمل من خلال الاستثمارات السريعة والمباشرة القائمة على المشاريع التى تحقق عائدات كبيرة للمستثمرين والبلدان على حد سواء.
ومع الزيادة المتوقعة في التعداد السكاني للبلدان العربية من 355 مليون نسمة الى 500 مليون نسمة بحلول 2025 وبوجود غالبية من السكان دون سن الثلاثين، تحتاج البلدان العربية الى توفير 100 مليون فرصة عمل خلال العقدين المقبلين وحدهما. ومن المفارقات أن المشاكل الاقتصادية التى كانت سببا في اندلاع الثورات ازدادت سوءا، اذ تتجاوز معدلات البطالة في الوقت الراهن نسبة %30 في الكثير من البلدان ووصلت الى مستويات خطرة، وتحولت الآمال الكبيرة الى اليأس والأسى. وأضعفت عمليات الانتقال السياسي التي اتسمت بالاضطرابات والقلاقل من مناخ الاستثمار لتدخل تلك البلدان في حلقة مفرغة من الاقتصاد الضعيف واللا استقرار.
ورغم ذلك، انصب التركيز حتى الآن على المشاحنات حول الدساتير الجديدة والانتخابات، بينما لم يتم عمل الكثير على صعيد السياسة الاقتصادية الذي اقتصر على تحقيق الاستقرار في المالية العامة من خلال القروض الخارجية. وعادة ما تصرف هذه القروض على الرواتب والدعم الحكومي، ولا ينتج عنها سوى القليل من الاستثمارات وفرص العمل الجديدة.
ويعوق السياسات المحلية والماليات العامة العجز المتنامي وتضاؤل الاحتياطيات، بينما تبدو احتمالات أن يلعب القطاع الخاص دورا وحيدا لانعاش النمو الاقتصادي ضعيفة. ومن أجل ضمان عملية انتقال أكثر أمانا ومنع حصول مزيد من الاضطرابات وعدم الاستقرار، وبالتالي امكانية زيادة التطرف، هناك حاجة ماسة اليوم للتدخل الاستثماري على المدى المتوسط.
ويقدر البنك الدولي أن المنطقة بحاجة أصلا الى 100 مليار دولار من الاستثمارات في البنى التحتية سنويا، في قطاعات مثل النقل والمواصلات والاتصالات والطاقة. ولا يشكـــل الانفــاق على البنى التحتيــة أكثر من %5 فقط من مجمل الانفاق في المنطقـة (مقارنة مع %15 في الصين)، لكن وبحسب بيانات البنك الدولي فان كل مليار دولار يتم استثمارها يمكن أن تخلق 100 ألف فرصة عمل جديدة، لاسيما في البلدان المستوردة للطاقة، حيث الحاجة فيها للاستثمارات هي الأكبر. لكن مستويات الاستثمار ضعفت في معظم الدول العربية، اذ أعلن وزير التخطيط المصري الشهر الماضي أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في البلاد تدنت الى مستوى «قريب من الصفر».
ومن شأن الاستثمار المباشر للأموال في مشاريع البنى التحتية وتجنب خزائن الحكومات، أن يلتف على الخلافات السياسية والبيروقراطية وتحقيق تحسن ملموس وسريع في الاقتصاد في بلدان مثل الأردن واليمن ومصر وفي أنحاء بلدان شمال أفريقيا.
ومع نمو الدخل الناجم عن الارتفاع المستمر في أسعار النفط فان دول الخليج التي تفاخر بوجود قطاع خاص حيوي بحاجة الى منافذ استثمارية، في وضع جيد للعب الدور القيادي كبلدان مستثمرة. ويمكن للدول المستثمرة الأخرى والمؤسسات المتعددة الأطراف أن تقدم مساعدة استثمارية وفنية اضافية. وسوف تساعد الخطة على استعادة الثقة في الاقتصاد اضافة الى تحفيز استثمار القطاع الخاص المحلي في المنطقة.
ومن شأن وجود اطار متعدد الأطراف أن يضمن ادارة الأموال واستثمارها وحوكمتها عبر آلية شفافة ومنسقة، مبنية وفق أفضل الممارسات العالمية. وسوف يكون لمجلس حوكمة على مستوى الوزراء كامل الصلاحيات حيال السياسات والقرارات الاستثمارية، مع وجود لجنة للاستثمار وفريق من الخبراء الفنيين لادارة صندوق الائتمان وتوفير الدراسات الدقيقة بشأن المشاريع المقترحة ومراقبة النتائج.
وعلى مستوى الدول، ستكون الفرق الوطنية لتطوير المشاريع مسؤولة عن تحديد الأولويات الاستثمارية الوطنية مع الحكومات المضيفة لها بما فيها القطاعات الحيوية من أجل التنمية وتحقيق الأثر الايجابي الأقصى.
وفي حين أن لكل دولة مجموعة أولويات خاصة بها، الا أن دعم النمو الاقتصادي الاقليمي ومعالجة القضايا الأساسية التي تؤدي الى التطرف أهداف يجب أن يتقاسمها الجميع. ومن خلال وجود منصة مشتركة للاستثمار الاقليمي، فان الدول المشاركة ستكون قادرة على الاستفادة منها عبر تعزيز التنمية الاقتصادية الاقليمية والاستقرار والأمن.