الجمعة، 25 مايو، 2012

المنسيون في غياهب الاعتقال الصهيوني


تعرض أكثر من 25% من الفلسطينيين للاعتقال، وإذا استثني من هذه النسبة جملة النساء والأطفال، فإننا دون شك أمام نسبة مهولة تؤكد أن كل بيت فلسطيني طال الاعتقال أحد أفراده.


ورغم أن كتاب "المنسيون في غياهب الاعتقال الصهيوني" لمؤلفه إبراهيم أبو الهيجاء أبرز كل ذلك بتفصيل رقمي داعم لمفاصل الكتاب الرئيسية، فإن الفصل الثاني ناقش قضية الأسرى في إطار تحليلي، مركزا على أبعاد وحضور قضية المعتقلين ووزنها الكبير في إطار القضية الفلسطينية، وموضحا كيف أن اتفاقيات التسوية قد همشتها وتناستها كما بيّن الكتاب في الفصل الثالث.


غير أن خطيئة إهمالها ولد لدى الفلسطينيين ردود فعل غاضبة، كون قضية الأسرى كما ثبت لاحقا لجميع من خبر القضية الفلسطينية، أنها قضية مركزية من وزن قضية الاستيطان والقدس واللاجئين، كون المعتقلين يعتبرون في نظر الفلسطينيين نموذج التضحية أولاً ومن النخب ثانيا، مما جعل حضورهم الشعبي بالغ التأثير، لدرجة أن تجاوب فعاليات المجتمع الفلسطيني مع مطالبهم بالتظاهر تجاوزت في كثير من الأحيان أولويات التنظيمات الفلسطينية. وساعد توزع المعتقلين الجغرافي والجهوي ولاسيما بالمخيمات والريف الفلسطيني في انتشار ذلك التفاعل ورقعته وفاعليته. في الشكل التقريري والوصفي لقضية المعتقلين الفلسطينيين يغطي الكتاب مساحة لا بأس بها، كون الكاتب يرى أن ثمة نقصا خطيرا في المكتبة العربية من حيث تغطية موضوع المعتقلين الفلسطينيين (حياتهم وواقعهم، عذاباتهم وآمالهم)، ولذا يرسم الفصل الرابع في صورة بانورامية لمجمل المعتقلات الإسرائيلية أمثلة "الرملة وعسقلان ونفخة وتلموند وشطة.." التي نقشت في قلوب وعقول الفلسطينيين الكثير من الأحزان والملاحم، وبالتالي كان من الواجب التاريخي الوقوف زمانا ومكانا وحالا على أوضاعها، مما يغني القاموس العربي والإعلامي في مصطلحات تعهد بتكرارها أو سماعها دون أن يدري مضامينها.


ممارسات لاأخلاقية
 يجعل الأطباء الإسرائيليون من المعتقلين حقولا لاختبار أدوية إسرائيلية تحت التجربة، الأمر الذي تسبب في إحداث الكثير من الأعراض والمضاعفات الغريبة لديهم أدت لاحقا إلى استشهاد بعضهم  اهتم الفصل الخامس برصد وتوصيف آليات التعذيب الإسرائيلي المتطورة والمتدرجة في شدتها، هادفا إلى وضع هذه القسوة في سياقها التوظيفي العلمي والعملي. فهي من جهة أساليب تتسم بمنهجية إسرائيلية نفسية وجسدية تهدف بالأساس إلى التحطيم والاعتراف، مما يجعلنا إزاء خبرة علمية من المهم أن نفهمها ولربما تكون مجالا للعديد من الأبحاث المتعددة، سواء لارتباطها بأصولها التوراتية أو بقياس مدى اقترابها أو ابتعادها عن مدارس التعذيب العربية والغربية تفوقا أو تخلفا. أما بالشكل العلمي فيمكن الإفادة منها بوضعها في سياق الخبرة العربية قليلة المعرفة بوجه الاحتلال الإسرائيلي المستهدف للفلسطيني الإنسان أيضا. ولعل النموذج الأكثر بشاعة الذي يقف عنده الكتاب بكثير من التفصيل هو تلك الممارسات الطبية التي يمارسها الأطباء الإسرائيليون أثناء التحقيقات، فبدلا من أن يؤدوا مهنتهم كما هي متسمة "بالأخلاقية" المتعارف عليها، ترى الجانب الطبي يستخدم كمورد مهم ليس فقط في الإهمال الطبي المتعمد الذي أدى إلى استشهاد العديد من المعتقلين الفلسطينيين، بل إن خطورته تجلت في اشتراك الأطباء بالتعذيب والتحقيق. بل والأكثر بشاعة أن الأطباء جعلوا المعتقلين حقولا لاختبار أدوية إسرائيلية تحت التجربة، الأمر الذي تسبب في إحداث الكثير من الأعراض والمضاعفات الغريبة في صفوف المعتقلين التي أدت لاحقا إلى استشهاد بعضهم أو تعايش بعضهم معه أبد الحياة وحتى الآن
 
خبرة في أساليب الاعتقال
غالبا لا ينفذ الحكم بالمستوطن المعتدي على الفلسطيني بالشكل المطلوب وتخفض الأحكام باستئناف جديد أو إعادة محاكمة في الفصل السادس يقدم الكتاب خبرات فلسطينية جديرة بالبحث والتعمق، وأهمها الخبرة الأمنية المتحصلة لدى الفلسطينيين في كيفيات مقاومة هذه الأساليب النفسية والجسدية، والمنحصرة في ركائز أربع متدرجة تبدأ من التهوين على المعتقل ليستخف بقضيته فيعترف بتفاصيل أعماله ظنا منه أنها النجاة. وإذا فشل هذا الأسلوب ينتقل التحقيق إلى أسلوب التهويل، جاعلا الأنشطة السياسية بخطورة القضايا العسكرية ليورط المعتقل بالاعتراف على قضايا يستدرج بها حتى يصل إلى أقصى ما يريد المحقق. وإذا فشل هذا وذاك تبدأ مرحلة يمكن تسميتها بالمخاض المازج بين شدة الضغط النفسي والجسدي على المعتقل على بساطته حيث يحاول محقق أو أكثر ممارسة دور الصديق تارة، ودور المنتقم تارة أخرى. وبنتيجة هذه المراحل الثلاث يمكن أن يحدث ما يسمى "بالتوليد"، حيث ينتظر المحقق من المعتقل أن يبدأ بالاعتراف بأعماله الجهادية والعاملين معه. هذه المراحل التي أطلقنا عليها مجازا هذه التسميات تعد حصيلة تراكم خبرات لدى الفلسطينيين الذين خبروا مدرسة التحقيق الإسرائيلية، ووجه الاستفادة هنا بالمعرفة أولا وكيفية المواجهة ثانيا والتي تتطلب فلسفة صمود مقابلة تعتمد بالأساس على الإرادة والذكاء وقلة الكلام.  أما الخبرة الثانية الجديرة فعلا بالتوقف بحثا وتمحيصا هي تجربة الفلسطينيين الإدارية داخل السجون، كونها تجربة فريدة من حيث دقتها وتنظيمها والأهم حريتها. ورغم أن هذه التجربة تعثرت كأي تجربة وليدة فإن تراكم التجربة كرس خبرة نظمت أحوال السجون من النظافة إلى الأمن وإدارة الصراع وتحصيل الحقوق. وكل هذه المضامين التي حملت في طياتها تفصيلات جديرة بالاستفادة والتأريخ. طبعا لا يكتفي الكتاب بإبراز الأحوال الإنسانية ولا الخبرات الاعتقالية، وينتقل في الفصل الثامن إلى فحص حالة افتراق واقتراب هذه الأوضاع الاعتقالية ليس فقط مع القانون العام وإنما أيضا مع القانون الإسرائيلي، فمتطلبات القانون الدولي على إشكالياتها المليئة بالازدواجية، إلا أنه من الضروري محاكمة النصوص النظرية التي تجعل من أولى المتطلبات هو الحق بالحياة والحرية والتنمية والتعليم.. إلخ. ومادامت إسرائيل موقعة على هذه المواثيق الدولية فمن الواجب أن تحترمها، لكن لأننا نعلم أن واقع القوة هو من يتحدث لا واقع الأخلاق، فإننا مضطرون لاستهلاك هذه النظريات والوقوف عندها ولو من الناحية الشكلية والإدانة الإعذارية. والغريب فعلا في استقرائنا لكل هذه الوقائع القانونية الاستنتاج أن إسرائيل لا تريد أن تتصرف كقوة محتلة عليها التزامات ولا في ذات الوقت كقوة دولة لديها سكان لهم حقوق، وكأن لسان حالها يقول "نريد أن نقول ما نشاء، ونفعل بهم ما نشاء، ونتصرف في ذات الوقت وكأننا دولة لها أخلاق وتحترم المواثيق الدولية". هذه الممارسات الازدواجية تعبر بالفعل عن جذر ما تريده إسرائيل وهو "التخلص من الفلسطينيين بكل الصور"، لولا أن ثمة حدا أدنى من التوقعات والردود تمنعها، وهذا ما يبرز لدينا عندما نعالج بإسهاب حالات التمييز المقارنة بين الفلسطينيين والإسرائيليين من حيث إجراءات الحبس ورؤية محامٍ ونيل محاكمة معقولة. ولعل المفزع هو المرور مرور الكرام على قتل الفلسطينيين من قبل المستوطنين كنموذج للعاملين خارج نطاق التبرير السياسي الذي تدعمه دولة وجيش إسرائيل. وفي الكتاب الكثير من الشواهد التي تثبت تورط واحد أو مجموعة من المستوطنين في قتل واحد أو مجموعة من الفلسطينيين، وفي إطار خارج عن أي أحداث أو صدامات، ولكن القضاء والشرطة الإسرائيلية المعنية -نظريا- بمعالجة ذلك إما تقفل التحقيق تحت حجج عدم كفاية الأدلة، أو يحاكم المستوطن لمدة أشهر أو يفرج عنه بكفالة لا تتعدى بضعة شيكلات في بعض الأحيان. وحتى لو كانت المحاكم الإسرائيلية تضطر لاتخاذ حكم قانوني نتيجة الضغوط الإعلامية، فغالبا لا ينفذ الحكم بالشكل المطلوب وتجرى تخفيضات له بثغرات كثيرة، إما بعد استئناف جديد أو إعادة محاكمة أو تخفيض مدته بعد أن ثبت لهم فجأة أن سلوكه قد تحسن.


الأطفال والنساء أسرى

 
ثبات المعتقلات وتجلي تجربتهن المتراكم مع رصيدهن النضالي الشريك مع الرجل في المقاومة، جعل المرأة الفلسطينية تتجاوز بأسرع من المتوقع أساليب الاحتلال الممعنة في استخدام كل ما لديها من قهر يبقى نموذجان كان من الواجب تسليط الضوء عليهما وإبراز مأساتهما وهما الأطفال والنساء من المعتقلين. ورغم أن سياق الفصول تطرق بوجه عام لآلام وآمال المعتقلين، فإن إفراد فصل كامل هو الفصل التاسع لعذابات الأطفال يكتسب أهمية خاصة كون الأطفال الفلسطينيين وتحديدا ما دون سن الـ16 الذين يعتبرون في عرف المواثيق الدولية والمحلية قاصرين يتطلب إعفاؤهم من الأحكام القانونية الفعلية حسب اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، والتي تعتبر أن من المصلحة في حالات الأطفال عدم الاعتداء على حرياتهم أو سجنهم إلا في أضيق الأحوال وإن حدث ففي أقل مدة. إلا أن إسرائيل تتعامل مع الأطفال بمستوى الكبار من حيث أساليب التعذيب وإجراءات الاعتقال. وتحاول إسرائيل من خلال اللجوء إلى المحاكم العسكرية التهرب من التساؤلات الأخلاقية والقانونية، وقد برز لدينا أثناء متابعات المؤسسات القانونية نموذج الطفلة سناء عمرو (14) التي حكم عليها بأربع سنوات سجن بحجة أنها حاولت طعن جندي. وحتى عندما لا تجد المحاكم الإسرائيلية حيلة السجن وتمديد الاعتقال فإنها تلجأ إلى تحميل الأهالي مسؤولية مالية من خلال فرض غرامات باهظة يضطر الأهالي لدفعها، وإلا بقي أبناؤهم الصغار عرضة لأساليب التحايل القانوني الذي يمدد تحت حجج استكمال التحقيق أو بادعاء ورود معلومات جديدة.  ثم يتناول مؤلف الكتاب في الفصل العاشر تجربة النساء الأسيرات، وهي فعلا تجربة جديرة بالتوقف والمزيد من البحث والتوسع، لأنها مميزة من جهتين:
الأولى- الصلابة والجلد والنضال التي أبدتها الأسيرات الفلسطينيات بشكل أفضل من الرجال وخاصة بالإضرابات وما يطلق عليه فلسطينيا "معركة الأمعاء الخاوية"، وخاصة عندما وقعت اتفاقية أوسلو وحاولت إسرائيل التلاعب والتجزئة بشكل الإفراجات.


الثانية- تجاوز الأسيرة الفلسطينية حاجز الخوف لأسباب اجتماعية تراعى عند الحديث عن نساء من مجتمع مسلم له ضوابطه وعربي له مخاوفه وهواجسه، ومحاولة الاحتلال اللعب على ذلك إغراء وإشاعة، ولكن ثبات المعتقلات وتجلي تجربتهن المتراكم مع رصيدهن النضالي الشريك مع الرجل في المقاومة ضمن الحدود الممكنة، جعل المرأة الفلسطينية تتجاوز بأسرع من المتوقع أساليب الاحتلال الممعنة في استخدام كل ما لديها من قهر.


في آخر الكتاب يوضع القارئ بصورة تفصيلية عن الواقع الرقمي والتوزيعي للمعتقلين والمعتقلات من حيث فئاتهم التي يغلب عليها الفتوة من 18-30 سنة بنسبة 48% من المجموع. وفي التوزيعات الجغرافية تتقدم محافظات الخليل ونابلس ورام الله عن غيرها، متوافقة بذلك مع حجمها السكاني الأكثر قياسا ببقية المحافظات. أما في التوزيعات الاجتماعية فإن الغلبة للمعتقلين المتزوجين وبنسبة 68%. ومن حيث توزيعات تواجد المعتقلين يبرز سجنا مجدو والنقب كأكبر المعتقلات إذ يحتويان على أكثر من 1000 معتقل فلسطيني من أصل 7000، منهم 200 طفل و 60 أسيرة، ومن بينهم 300 محكوم عليهم بالمؤبد، وأكثر من 300 بالسجن لأكثر من

15 عاما، وأكثر من 3500 موقوف دون محاكمة.  يمكن القول إن كتاب "المنسيون في غياهب الاعتقال الصهيوني" هو محاولة لجمع تجربة مأساوية قائمة وحاضرة بقصد إنعاش ما تبقى من ذاكرة فلسطينية مصابة بالتخمة من كثرة ما تختزنه من ويلات وتضحيات



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يسعدني وضع بصمتك هنا