الأحد، 4 نوفمبر، 2012

مشروع الاتحاد الخليجي... مرة أخرى

كتب
عبدالله المدني


شاركت مع لفيف من الزملاء والمفكرين الخليجيين والعرب في النسخة السابعة من منتدى "الاتحاد" الذي عقد في أبوظبي في العشرين من أكتوبر. وحسناً فعل المنظمون حينما اختاروا موضوع "الاتحاد الخليجي" للنقاش، خصوصاً وأننا على موعد قريب مع القمة السنوية لمجلس التعاون.
طرحت أوراق عمل ثلاث من إعداد مفكرين وأكاديميين خليجيين، وهي لئن أتت تحت عنوان واحد، فإنها اختلفت في مضامينها وما طرحته من تساؤلات. أصحاب الأوراق الثلاث بدأوا باستحسان فكرة التحول من التعاون إلى الاتحاد، وما يمكن أن ينجم عنه من فوائد شتى، قبل أن يتحولوا فجأة إلى التشكيك في نجاحها واستعراض ما يقف دونها من عقبات. وجاراهم في ذلك نفر من أصحاب المداخلات الخليجيين الذين انتقدوا بمرارة شديدة مسيرة وإنجازات مجلس التعاون خلال العقود الثلاثة الماضية، وانتقدوا فكرة الاتحاد الخليجي.
وبطبيعة الحال لا يختلف أحد على العقبات التي تواجه المشروع المقترح، فالطريق ليس مفروشاً بالورود، رغم كل ما يتوافر في خليجنا من عوامل داعمة للفكرة كالأنظمة السياسية المتشابهة، والجذور القبلية الواحدة للعائلات الحاكمة، وعوامل النسب والمصاهرة، وتشابه العادات والتقاليد والموروث الشعبي وغيرها مما ساهم في صمود مجلس التعاون على مدى السنوات الثلاثين الماضية، في الوقت الذي ماتت فيه المنظومات العربية المشابهة. غير أن الخليج يواجه اليوم ما لم يواجهه من قبل من تحديات تتمثل في: سياسات إيران التوسعية المتربصة بنا بدليل دس أنفها في شؤوننا الداخلية من خلال تحريض بعض الجماعات المؤتمرة بأمرها لأسباب مذهبية، على نحو ماحدث في البحرين وشرق السعودية والكويت.
البرنامج النووي الإيراني الذي تحاول من خلاله طهران فرض الهيمنة على المنطقة.
الجماعات الجهادية المرتبطة بأفكار "القاعدة" والتي عاودت أنشطتها بقوة، منتشية بتداعيات "انتفاضات الربيع العربي".
جماعة الإخوان المسلمين التي رأت في وصولها إلى السلطة في أكثر من بلد عربي فرصة لمد أذرعها السرية للإخلال بالأمن والاستقرار في دول الخليج العربية، وما اكتشاف دولة الإمارات مؤخراً لشبكة إخوانية متآمرة على النظام إلا دليل على صحة ما نقول.
السياسات الأميركية المترددة تجاه التزاماتها الأمنية في الخليج، مما يجعل ظهر المنطقة مكشوفاً أمنياً خصوصاً مع تغير قواعد اللعبة الدولية وما يحاك تحتها من صفقات سرية، وما يتردد عن وجود خطط أميركية لإعادة تشكيل المنطقة وتغيير أنظمتها القائمة ناهيك عن غياب الظهير العربي.
معضلة الفراغ الأمني المزمنة والتي نشأت بجلاء الإنجليز من شرق السويس، ولم تجد لها دول المنطقة حلاً ذاتياً دائماً بسبب صغر حجم الكثافة السكانية، وبالتالي تواضع حجم القوات المسلحة، وغياب القاعدة الصناعية المماثلة لما لدى الجيران الأقوياء.
ما عصف بالنسيج الخليجي الداخلي المتماسك من أمراض التفتت المذهبية التي ساهم النظام الإيراني في زرعها منذ وصوله إلى السلطة، ثم جاءت"انتفاضات الربيع العربي" لتشعل جذوتها. ومرة أخرى فإن ما حدث في البحرين من انقسامات، وما يحدث في الكويت من تراشقات لهو خير شاهد.
الضغوط الخارجية الأميركية والأوروبية في صورة الدعم المالي والإعلامي لمنظمات حقوق الإنسان وقوى المجتمع المدني المحلية بهدف إحداث نوع من الفوضى المسماة بـ "الخلاقة".
وعليه فإننا كخليجيين نعيش مرحلة قلقة للغاية، الأمر الذي يستدعي الابتعاد عن السفسطة السياسية ، وتجاوز الاعتراضات الواهية، والاتفاق على دعم المشروع المقترح والترويج له باعتباره الحصن المنيع لأوطاننا وشعوبنا وأجيالنا القادمة، بدلًا من أن نصر على اشتراطات محددة أو بث مخاوف معينة مثل: قول البعض بضرورة دمقرطة المجتمعات الخليجية أولاً كشرط للقبول بالاتحاد. وهذه حجة قد تكون مفهومة ومبررة في الأحوال العادية، لكنها لا تستقيم مع ما نواجهه من مخاطر، خصوصاً وأن ثمار الديمقراطية لا يمكن أن تظهر بين ليلة وضحاها، بل تحتاج إلى ممارسة طويلة، ولعل خير دليل هو الديمقراطية الكويتية التي لها من العمر خمسة عقود ومازالت تعاني من النواقص. وقول البعض الآخر بضرورة إجراء استفتاء شعبي حول الاتحاد. وكان هذا رأي قوى المعارضة الشيعية في البحرين التي تعتبر نفسها ممثلة لأكثرية البحرينيين، وتخاف أن تضيع وسط بحر سني فيما لو تحقق الاتحاد. وقول فريق ثالث بضرورة أن تكون الأولوية للوحدة الاقتصادية وليس الوحدة الأمنية والدفاعية، مستشهداً بتجربة الاتحاد الأوروبي، وذلك من منطلق أن أي مشروع وحدوي لكي يستمر يجب ألا يكون ردة فعل لظروف آنية. لكن هؤلاء نسوا أن تجربة الاتحاد الأوروبي لئن بدأت اقتصادية، فإنها سبقتها وحدة أمنية ودفاعية من خلال "الناتو". فما الذي يمنع أن تتزامن الوحدتان الاقتصادية والدفاعية في المشروع المقترح.
إلى ما سبق أبدت بعض النخب مخاوفها من التفاوت الواضح بين دول المجلس لجهة معدلات التنمية القطرية ومستويات المعيشة، ومخاوفها من ضياع ما حققته بلدانها من دمقرطة أو انفتاح اجتماعي. وأفضل رد على هذه المخاوف هو أن الصيغة المطروحة للاتحاد الخليجي هي الصيغة الكونفدرالية التي تحفظ لكل كيان خصوصياته، وليست الصيغة الفيدرالية الاندماجية التي تعتبر فكرة تواجهها عقبات كثيرة.
ما طرحته هذه النخب من اعتراضات يجب ألا تـُعطى أية أهمية لأنها محدودة العدد وتعيش أسيرة لأوهام وأيديولوجيات عفا عليها الزمن. فمعظمهم كثيراً ما صدع رؤوسنا بالشعارات الوحدوية وطالب بوحدة عربية من "المحيط الهادر إلى الخليج الثائر"، فلما جاءت الدعوة إلى الاتحاد من عقر داره، وليس من عواصم أحزابه العقائدية في القاهرة وبغداد ودمشق وبيروت، تنكر لها ووقف ضدها.
وكي نقطع دابر كل تشكيك فإن على قمة التعاون القادمة أن تفصح بجلاء أنها تسعى إلى اتحاد كونفدرالي، وأنها ماضية في مشروعها حتى بدولتين على أن ينضم المترددون لاحقاً كما حدث في الحالة الأوروبية، وأنها بصدد كتابة دستور مستنير للاتحاد من قبل مجلس تأسيسي يعيّن أعضاؤه بطريقة رشيدة وعادلة.
وأخيراً فربما لم يلب مجلس التعاون طموحات الشارع الخليجي كما يجب، لكن الروابط والمصالح والمؤسسات التي خلقها بين شعوبه وأقطاره تعرضت لامتحانين عسيرين أولهما بفعل عدوان خارجي (غزو العراق للكويت في 1990)، وثانيهما بفعل تآمر داخلي مدعوم من الخارج (محاولة المعارضة الطائفية البحرينية الانقلاب على نظام الحكم القائم). وقد نجح المجلس في كلا الامتحانين، وهذا يكفيه فخراً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يسعدني وضع بصمتك هنا