الخميس، 29 مارس 2012

التشدّد والتنطّع

بسم الله الرحمن الرحيم
ليس في الإسلام كما أنزله الله تعالى نصّ واحد من النصوص يمكن الاعتماد عليه لتسويغ شكل من أشكال التشدّد والغلوّ والتنطّع والتطرّف، في الفكر أو التطبيق، في العبادات أو المعاملات، أو في مختلف ضروب التعبير. وعلى النقيض من ذلك نجد في الإسلام كما أنزله الله تعالى عشرات النصوص التي تنهى عن التشدّد والغلوّ والتنطّع والتطرّف، وتدعو إلى التيسير والتبشير والتسامح والاعتدال والوسطية.




* بين التسييب وسدّ الذرائع:


بعض المتشدّدين المتنطّعين يضعون مقابل نهجهم فكرا وتطبيقا، ما نعرفه تحت عنوان التسييب، ويلجؤون تبعا لذلك إلى توظيف القاعدة الشرعية سدّ الذرائع في غير موضعها ولغير ما قرّرت له. هذا مع أنّهم لا يجدون في النصوص التشريعية ما يبيح أن الردّ على التسييب –وهو مرفوض قطعا- يتحقّق من خلال التشدّد. ومن يشذّ عن الإسلام تسييبا وجبت دعوته للرجوع إلى الإسلام الوسطي، وليس دعوته أو مطالبته بتشدّد يُنسب إلى الإسلام تزييفا، ولا ممارسة التشدّد ردّا عليه، أو تعاملا مع واقعٍ" شاذّ أوجده من حوله، بل إن مثل ذلك التشدّد هو الأخطر وفق كثرة النصوص الناهية عنه.


والاستشهادات في هذا الموضوع عديدة إلى درجة تجعله من قبيل ما تسري عليه قاعدة "المعروف من الدين بالضرورة" أي ما يلزم كلّّ مسلم ومسلمة به وباتباعه، ولا يفيد معه الاعتذار بدعوى عدم معرفته.


كيف نشأت ظاهرة التشدّد والتنطّع إذن؟..


كيف انتشرت حتى أصبح الوسطيون في موقع "الدفاع" لتعليل وسطيّتهم"؟..


كيف وصل الانحراف عن الإسلام المعتدل عند المتشدّدين والمتنطّعين إلى درجة انغلقت معها الأفهام عن استيعاب ما يوجد من نصوص معروفة على عدم صحّة ما يصنعون وما يقولون، بل إلى درجة أن يضعوا هم عنوان الإسلام على ما ينهى الإسلام بشدّة عنه؟..


إنّ اليسر والتيسير في العبادات مفروض، وفي المعاملات مفروض، وفي التفكير والحوار مفروض، وحتى في المواجهة والقتال مفروض، بل هو في المقدّمة –روحا ونصا- من القواعد التشريعية الأصولية، التي تُعتبر مناط الاجتهادات ومعيارا لصحّتها أو بطلانها، واستقرارها أو شذوذها، فأين نضع سلوك من يجعلون بزعمهم الإسلام "الأصحّ أو الأفضل" هو ذاك الذي يُبتكر له من الأحكام والتوجيهات ما يتجاوز ما قرّره، ويخالف قواعده الأصولية التشريعية، بحجّة الأحوط حينا وسدّ الذرائع حينا آخر؟..


هم يزيّنون أقوالهم وممارساتهم، بكثير من النصوص، ولكن ليس وفق معانيها الأصلية إذا كانت ثابتة الدلالة، أو وفق ما فهمه الجمهور من العلماء من أهل الذكر قديما وحديثا إذا كانت ظنيّة الدلالة، إنّما يزيّنون ما يرونه بتأويلات مَن خالف بتأويله النصوص أو شذّ عن الجمهور، ولم يأبه بروح الإسلام الوسطي، ولا بقواعد الاستنباط التشريعية، ولا بقواعد تفسير النصوص وشرحها. بل قد يمضي الواحد منهم في جرأته إلى درجة القول: "هم رجال ونحن رجال"، تأكيدا لبعده كلّ البعد عمّا قال به كبار العلماء بغالبيتهم العظمى، من رجال الفقه وأصوله والتفسير وعلومه والحديث والسيرة وعلمائهما، بل والبعد حتّى عمّا ذهب إليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، فيكرّر القول "هم رجال ونحن رجال"، فأين هو ممّن قال هذه الكلمة في العصر الإسلامي الأوّل، ومن ورعه وتقواه وعلمه واجتهاده!..




* بين الاجتهادات الشخصية والتعميم:


ليس التشدّد المقصود هنا –معاذ الله- أن يختار امرؤ لنفسه الاستزادة من العبادات مثلا، أو أن يختار لنفسه التزام مباح من المباحات وإن لم يكن مفروضا، ولكنّ المقصود أن يجد فيما يراه هو لنفسه نهجا يطالب به الآخرين، ويمضي بذلك درجة أبعد فيعتبره هو "الإسلام الحق" الملزم للمسلمين، وأنّ ما سواه "باطل"!..


من يشدّد على نفسه في مباح أو مفروض فأمره إلى الله، وقد يكون شأنه في ذلك –على صعيد العبادات مثلا- كشأن الصحابي الذي ألحّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلم بكلامه عن صيام يتجاوز الفريضة والمندوب، حتى "أجاز" له الرسول صلّى الله عليه وسلم أن يلزم نفسه بصيام داوود، فيصوم يوما ويفطر يوما، ففعل، ثمّ ندم على فعلته عند شيخوخته. أو كشأن الصحابة الذي رأوا ألا يأخذوا برخصة الإفطار في السفر، فذهب المفطرون بأجر الصائمين حين أخذ منهم التعب مأخذه فعجزوا عن العمل. إنّ أعمال هؤلاء لم يضعها الإسلام في موضع القدوة والأسوة فضلا عن الإلزام بما صنعوا لأنفسهم، وأمرهم إلى الله تعالى.


أمّا أن يطالب المسلم بحكم يتعلّق بالنساء مثلا، لم يقرّره الإسلام، بدعوى أنّ عصرنا هذا عصر فسوق وضلال، فذاك مرفوض قد يوقع في محظور أكبر، وكأنّ المتشدّدين هنا ينكرون دون قصد أنّ أحكام الإسلام الثابتة –كما هي- قد نزلت بيسرها وتيسيرها واعتدالها ووسطيّتها، لكلّ زمان ومكان، ولا يصحّ –إلا ما ثبت بدليل- تصنيفها ليؤخذ منها في عصر "التسييب" ما قد يؤخذ سواه إن غاب "التسييب"!.


وأمّا أن يختار المسلم أحكاما ارتآها استنباطا عالمٌ أو أكثر في ممارسات يضعها المتشدّد موضع "الأمور المشتبهات" ولم يقل بمثل قوله جمهور العلماء، ثمّ يعتبر ذلك ملزما لعامّة المسلمين، كما يُصنع في ميادين التصوير، والموسيقا، والتمثيل، وما شابه ذلك، ممّا لا يدخل فيه ما هو محرّم نصّا، رافضا أن يأخذ سواه من المسلمين بما قال به علماء كثيرون آخرون، فذاك ما لا يتّفق مع منهج الإسلام، مهما مضى المتشدّدون في التأويل، وإن رأوا ما رأوه فليكن لأنفسهم، وليس لإلزام سواهم به، لا سيّما إذا مضوا بذلك إلى درجة زرع "الفتنة" بين المسلمين بسببه.




* المزايدة في تحريم المباحات:


ومن أسوأ ما نشرته ظاهرة التشدّد والتنطّع الزعم القائل إنّ "التحريم" هو "الأحوط" والأقرب إلى الصواب، فباتت كثرة التحريم مقترنة عندهم بأن يُعتبر المسلم أتقى وأورع بمقدار ما يحرّم على نفسه أكثر من سواه، فكأنّه هو الأشدّ إسلاما من سواه!..


إنّ الإسلام الذي يحظر تحليل حرام بيّن، هو هو الإسلام الذي يحظر تحريم حلال بيّن، سواء بسواء. وإنّ الذي يفتري على الله الكذب فيقول: هذا حلال، عن المحرّمات، كالذي يفتري على الله الكذب فيقول: هذا حرام، عمّا أحلّ الله، مع تثبيت أنّ الأصل هو الإباحة، وأنّ من يحرّم اجتهادا، عليه هو أن يأتي بدليل قطعي على التحريم، كيلا يسري عليه ما نعاه الله تعالى على من "حرّم زينة الله التي أحلّ لعباده" أو من "حرّموا على أنفسهم ما أحلّ الله لهم"!..


ولن يكون مسلم أصحّ إسلاما من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا ما سار في نهج التحريم شوطا أبعد ممّا مضى إليه النبيّ صلّى الله عليه وسلم وفق الوحي المنزّل عليه، وإنّ زعم من زعم أنّ ذاك هو الأحوط ولكن تعامل معه على أساس التحريم وليس على أساس الحيطة!.


لم يكن التشدّد والتنطّع ولن يكون هو الإسلام، ولن يكون أحد بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أشدّ حرصا منه على الإسلام والمسلمين، ومن ظنّ ذلك، فزايد على خاتم النبيّين فكرا أو قولا أو عملا، يسري عليه ما قاله صلّى الله عليه وسلّم "فمن رغب عن سنتي فليس منّي"، وسنّته صلّى الله عليه وسلّم هي الإسلام الوسطي المعتدل، الذي يبشّر ولا ينفّر، وييسّر ولا يعسّر.


ولم يكن التشدّد والتنطّع ولن يكون سبيلا أصلح لنشر الدعوة إلى الإسلام وتمكينه في الحياة والحكم من جديد، فمسلك الإسلام هو الأصحّ، وقد كان مسلكه أثناء بناء المجتمع الإسلامي الأوّل ومن بعد، هو التبشير لا التنفير، واستمالة من عُرفوا بالمؤلّفة قلوبهم بوسائل لم تكن تسري على من ثبت إيمانهم في القلوب وواقع الحياة، مع تعريف غير المسلمين بوسطية الإسلام واعتداله، وليس بصورة متشدّدة تخيف من قد يفكّر به ولم يعتنقه بعد.


وأخطر من ذلك ادّعاء المتشدّدين المتنطّعين أنّهم يعودون بذلك إلى "الإسلام الصحيح"!..


إنّ الإسلام الصحيح هو الذي يقول: لا حرج في الدين، إنّ مع العسر يسرا، بشّروا ولا تنفّروا، يسّروا ولا تعسّروا، ما شادّ الدينَ أحدٌ إلاّ غلبه، هلك المتنطّعون، ما جعل عليكم في الدين من حرج، رُفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه، إنّ الله يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحبّ تؤتى عزائمه.


والإسلام الصحيح هو الانطلاق من النصوص البيّنة الظاهرة، وما أجمع عليه الجمهور، وهو ما يجعل الإسلام محبّبا إلى النفوس، ميسّرا في التطبيق، مريحا في العبادة، هيّنا في المعاملة، البسمةُ فيه صدقة، والكلمة فيه حسنة، والمعشر فيه طيّب، والمظهر فيه جميل، يفتح أبواب الجنّة لمن يريد الاكتفاء بالفرائض، ولا يفرض النوافل إلاّ على مَن يلزم بها نفسَه بنفسه، وخير له فيها أن يخلو بأدائها بينه وبين ربّه.


الإسلام الصحيح هو الإسلام الذي أنزله الله تعالى على قلب محمّد صلّى الله عليه وسلّم فانتشر دينا محبّبا إلى النفوس، وليس هو ذاك الذي بات عن طريق الغلاة المتنطّعين المتشدّدين سببا من أسباب تخويف المسلمين منه، وتنفير سواهم عنه، وذريعة يستغلّها من يشكّكون في صلاحيّته لكلّ زمان ومكان.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يسعدني وضع بصمتك هنا