الأحد، 17 يونيو، 2012

في رحيل رمز: وماذا بعد؟

في رحيل رمز: وماذا بعد؟

الوطن السعودية علي سعد الموسى



ماذا نكتب عن نايف بن عبدالعزيز في يوم رحيله الذي أخذ الجميع بالدهشة والمفاجأة؟ والحق أن الرحيل يستدعي الصمت بقدر هول الصدمة

حتى مع الرحيل والموت، يتحول الحدث الجلل بوفاة عمود من أعمدة الوطن الكبرى إلى استفتاء شعبي واسع على حياة أسرة كريمة مع قصة شعب. كنت بالصدفة ظهر الأمس أتصفح موقع التفاعل الاجتماعي – تويتر – لحظة ورود الخبر المؤلم برحيل الأمير نايف بن عبدالعزيز، وفي غضون الدقائق الأولى تستطيع أن تلمح هذا التحول الجارف في حزن الكلمات وفي الوقفة الإلكترونية خلف مثل هذا النبأ. هذه المشاهد هي عزاؤنا الوحيد حين تجمعنا دواهي الأيام ومنعطفات الزمن على جملة واحدة باختلاف المشارب والمدارس. القصة الحقيقية هي أعمق وأبعد من هذا بكثير: نحن، مع برهان مثل برهان الأمس، هندسة اجتماعية فريدة مختلفة. شعب يضرب في التقاليد الخاصة به إلى نشأة المكون العربي الخالص. ثقافة تؤمن بكبير العائلة مثلما تؤمن بالرمزية في الشخص الذي تلتف من حوله ثم تنسج به نمطاً اجتماعياً سياسياً لا يشابهه شيء من الأنظمة لأنه نسيج وحده.
ماذا نكتب عن نايف بن عبدالعزيز في يوم رحيله الذي أخذ الجميع بالدهشة والمفاجأة؟ والحق أن الرحيل يستدعي الصمت بقدر هول الصدمة. وكل ما سيكتب اليوم، ومن الجميع، سيبدو حتماً متطابقاً ومتشابهاً، لأن المجتمع برمته مجمع، وبأكمله، على ذات الجملة. أولاً، هو الإيمان بأن الحياة والموت قدر إلهي تتماهى فيه الفروق: إنا لله وإنا إليه راجعون. نحن مع هذه الأسرة الكريمة في قرون تمتد حتى اليوم لثلاثمئة سنة. وفي تاريخ هذا الوطن من قصص الفواجع الكبرى لن نختلف على ما يفوق هول فاجعتين: تقول المدونات التاريخية إن الفاصل ما بين وفاة الإمام الأول محمد بن سعود لم يكن إلا الزمن الفاصل ما بين صلاتي الظهر والعصر. مضى الإمام إلى قدره المحتوم وبقيت من بعده أركان الدولة. وفي القصة الأخرى، لم تنجب كل أمهات القرن الماضي لهذا الشعب والوطن بأعظم أو أكبر من هديتها الهائلة في المؤسس الراحل الملك عبدالعزيز. وحين قبره الآباء بين الآلاف من ذات شعبه في مقبرة العود لم يكن قبره – يرحمه الله – استثناء ولا مزاراً ولا نصباً مختلفاً: تلك هي عقيدة أمة وحياة شعب، ولكننا من بعده واصلنا الآمال والأحلام. وفيما تروي المدونات مرة أخرى فإن هيئة الإذاعة البريطانية يوم بثت خبر رحيل الإمام المؤسس قالت عنه في الموجز: وفاة ملك ونهاية دولة. والثابت أن جملة التأبين تلك لا تبرهن عن شيء قدر برهانها على فشل الآخرين في القدرة على فهم ظروفنا وهندسة قوامنا الاجتماعي وخياراتنا المختلفة لبنية النظام السياسي المتأصل في جذر الهوية العربية الخالصة. نحن في الموروث التاريخي رمزية للخيمة. والخيمة العربية الشهيرة لا تستقيم بلا عمود، والعمود فيها هو كبير العائلة وشيخ القبيلة. نحن لا نأنف أبداً أن نظل وصفاً من خيمة وقبيلة وشيخ.. وتلك المفردات هي سبب بقائنا وجوهر أمننا واستقرارنا رغم عواصف الصحراء وجفافها وكل ما ثار أو يثار في وجه تلك الخيمة الصامدة. سترحل الأسماء وتختفي الرموز مثلما هي سنة الخالق في خلقه، وسنبقى مثلما فعلنا منذ 300 سنة بجوار الأعمدة التي اختارها لنا كبير العائلة. نحن لا نلتفت إلى السؤال: ماذا بعد وماذا سيكون؟؟ لأننا جربنا مثل هذا السؤال من قبل ما لا يقل عن عشرين مرة، وفي كل ظرف طارئ أو منعطف من مسيرة هذا الشعب مع أسرته تركنا هذا السؤال للقائلين به من أهل الأسئلة، ولم يكن لنا من رد سوى الجواب المختلف. والجواب المختلف أولاً أننا لا نقف في المطلق عند حدود السؤال: ماذا سيحدث لكم من بعد؟،، تركناه لأننا تعاملنا مع السؤال تجربة بعد تجربة. الجواب المختلف أننا مضينا ثانياً إلى مزيد من البناء في قواعد تجربتنا التنموية المدهشة.
نحن، وبشهادة منظمة السلم الدولي الصادرة مساء ما قبل البارحة، ثاني دول العالم العربي من حيث مؤشر الأمان والاستقرار. ونحن بنسبة السكان والمساحة أول دول هذا المؤشر. هذه أولى إجاباتنا المختلفة على السؤال: ماذا بعد؟ وماذا سيكون؟ وهو ذلك السؤال الذي نسمعه من غيرنا مع كل ظرف طارئ أو منعطف. واليوم نكمل ما يقرب أو يقارب ستين سنة منذ أن رحل الضخم الكبير.. الإمام عبدالعزيز ثم قالت عنه أشهر إذاعات الدنيا وأكثرها يومئذ استقراء وتحليلاً (إنها نهاية دولة). وبعد ستين سنة أيضاً كان جوابنا الذي لا يختلف: إنها بداية مرحلة ووقود مرحلة. والسبب لأننا أوفياء بالعهد، والوفاء به ليس مجرد يد تصافح كبير الأسرة أو شيخ القبيلة: إنها اليد التي تعاهده بيد لبيعة في الرقاب نقابل بها الله ديناً نؤمن به وديْناً نلتزم الوفاء بسداده وبالبيد الأخرى.. يد تمتد إلى البناء لتكمل أحلام الراحل إلى آمال الباقي، لأن الحياة بناء واستخلاف بفطرة هذا الدين، مثلما الموت إيمان بقدر الله وقضائه...




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يسعدني وضع بصمتك هنا