الأربعاء، 20 مارس، 2013

خنساء فلسطين.. أم الرجال!


كتب الرائع الدكتور خالد القحص
writer image



في مطلع هذا الأسبوع، وبعد صراع طويل مع المرض، ورحلة علاج مريرة، انتقلت الى رحمة الله أختنا الصابرة المصابرة المجاهدة مريم فرحات (أم نضال) بعد حياة ملأتها بطاعة الله وجهاد في سبيله. حيث لم تدع مجالاً فيه جهاد الا وسلكته، ولا تضحيةُ الا وقدمتها، ولا بذلٌ الا وساهمت فيه. ولم تدع موطأً تغيظ به الصهاينة الا وكانت رائدته (نحسبها كذلك، والله حسيبها، ولا نزكي على الله أحداً).ولقد شارك الآلاف من أهلنا في فلسطين في تشييع جثمانها، يتقدمهم اسماعيل هنية، رئيس الوزراء الفلسطيني.
لم تكن حياة أختنا أم نضال كأي حياة، ولم تكن أيامها كأيامنا، ولا مشاعرها كمشاعرنا، ولم تكن همتها وسكناتها وحركاتها كالتي نعرف ونخبر، الحديث عنها كالحديث عن الأساطير، أو شخصيات الروايات الخيالية.حبها للجهاد على أرض فلسطين المباركة جعلها تقدم تضحيات يعجز عنها الرجال، مما جعلها أحد أهم الرموز النسائية في العمل الجهادي في فلسطين، ومن كوادر حركة المقاومة الاسلامية حماس، وأم نضال أرملة، وأم لستة أبناء وأربع بنات، وجميع أبنائها من شباب كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، ولم تكتف بذلك، بل غرست حب الشهادة في سبيل الله، ليس شعاراً ترفعه، بل واقع تعيشه، وبالفعل فلقد استشهد ثلاثة منهم، هم نضال ومحمد ورواد، ومحمد هذا هو الذي ظهرت معه في شريط فيديو تودعه، وهو ذاهب في عملية استشهادية، لله درها من أم، تدرك جيداً ما الذي سيقدم عليه ابنها، فشجعته، وظهرت معه في الشريط، هذا بالاضافة الى قيام العدو الصهيوني بأسر ابن لها رابع، حيث بقي في سجون الاحتلال 11 عاماً، وبسبب تضيحاتها واستشهاد أبنائها، أطلق عليها أهلنا في فلسطين لقب «خنساء فلسطين»، ولها اسم ثانٍ في غزة هو «أم الرجال»، وهي بالفعل كذلك.
و لم تكتف أم نضال (و لها من اسمها نصيب) بهذه التضحيات، بل استضافت مجاهدي حماس في منزلها، حين كان يبحث عنهم العدو الصهيوني وعملاؤه، ولعل أشهر من آوته في منزلها المبارك قائد الجناح العسكري لحركة حماس الشهيد عماد عقل، وذلك في عام 1992 وحتى نوفمبر من 1993، وكان الشهيد عقل قد اتخذ من منزل خنساء فلسطين منطلقاً لعملياته، وفشل العدو الصهيوني في العثور عليه، حتى أطلقوا عليه «بذي الأرواح السبعة»، لكنهم أخيراً استدلوا على مكانه، فقصفوا منزل أم نضال، بعد مقاومة بطولية، استشهد بعدها عقل.وبالمناسبة فلقد قام الاحتلال بقصف منزل أم نضال أربع مرات.
ولم تكتف خنساء فلسطين في تقديم تضحياتها في الجانب الجهادي، بل اتجهت أيضاً للعمل السياسي، حيث ترشحت على قائمة حركة حماس للمجلس التشريعي الفلسطيني، ونجحت بفضل الله، فاستمر جهادها في الجانب التشريعي، وفي جولاتها خارج قطاع غزة، حين حرصت على نقل معاناة أهلنا في فلسطين لدول العالم، جالبة لهم المعونات والمساعدات.
تختلف مقاييس الحياة والموت هنا، وتتباين معاني السعادة والحزن، وتتجافى مشاعر الألم والأمل، فما تراه حياة، يراه الأبطال موتاً، وما تحسبه موتاً، يعتبره المجاهدون حياة وحين ينظر البعض على أنها مواقف ألم، كانت الخنساء توزع الأمل على مجاهدي القسام، وحين يرى الضعفاء أنها تلقي بنفسها في التهلكة، كان شعارها: وعجلت اليك ربي لترضى، وحين يظن البعض أنه لا يستطيع، كانت أم نضال تفتح طرقاً، وتخوض سبلاً، وعندما يعتقد أحدهم أنه يعيش حياة واحدة، كانت مريم فرحات تعيش حيوات عديدة، وأطواراً جديدة.
بمثل نضال «أم نضال» تحيا الأمة، وترتفع الهمة، وو الله اني لأشعر بالعجز والتقصير حين أقرأ سيرتها العطرة، فنحن حين نقلب أبصارنا بحياتنا، نشعر بخورنا وتقصيرنا تجاه قضايا الأمة، فضاعت بوصلتنا، وتبدلت أولوياتنا، وفقدنا هويتنا.
الى جنة الخلد، أم نضال، وجمعك الله بزوجك وأبنائك في عليين، ورزقنا الله بعضاً من حبك للجهاد، و{انا لله وانا اليه راجعون}.

د.خالد القحص

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يسعدني وضع بصمتك هنا