الأحد، 21 أبريل، 2013

هل يمكن رؤية الله يوم القيامة (1)


writer image



سؤال يثور حوله الجدل والحيرة، وهو هل يرى الانسان الله بعينه المجردة يوم القيامة؟ وسيبقى هذا السؤال بلا اجابة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
هذا الغيب المنيع المستتر عن العيون، هذا الاله الذي كل ما في الكون يدل على أنه واحد، وقد دل على نفسه بنفسه فقال في حديث قدسي عن علة خلق الانسان بقوله: (كنت كنزاً مخفيا فخلقت الخلق لكي أعرف).
لقد حدثنا القرآن الكريم عن معاناة ابراهيم الخليل عليه السلام، وهو يبحث عن ربه ويتحدث القرآن عن هذه الحادثة فيقول: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُفَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ انِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}(78/77الانعام).
لم يطلب ابراهيم ان يرى الله سبحانه وتعالى، ولكنه سأله كيف يحيي الموتى، فطلب منه ما هو مذكور في القرآن الكريم من ذبح أربعة طيور وتوزيعها ثم مناداتها وقد فعل فأتته الطيور اطمئنانا لقلبه بقدرة الباري سبحانه وتعالى على احياء الموتى.
أما موسى الكليم فتحت الحاح بني اسرائيل قال: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ الَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ الَى الْجَبَلِ فَانِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ الَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} (145 الاعراف).
ومن سياق هذه الآية نرى ان موسى الكليم عليه السلام كان يعرف مسبقا أنه لا يستطيع رؤية الله بعينه المجردة، ومن هنا قال: أرني أنظر اليك أي اجعل عيني تستطيع ان تراك وكانت النتيجة كما روتها الآية الكريمة.فهو يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار، كما وصف نفسه سبحانه وتعالى.
ويروي القرآن الكريم عن رحلة المصطفى صلى الله عليه وآله في الاسراء بقوله: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} (18 النجم) وفي آية أخرى {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى الَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} (10-9 النجم) ولم يقل هو صلوات الله عليه أو أحد من رواة الحديث أنه رأى الباري سبحانه وتعالى رؤيا العين.
تثبت الأدلة العقلية ان الله لا يمكن ان يرى بالعين، لأن العين المجرده لا تستطيع ان ترى الا الأجسام، وأقرب مثال على ذلك عدم القدرة على رؤية الهواء مثلا، فاذا لم يكن الشيء جسما لا يمكن ان تراه العين، وبمعنى اذا تمكنا من رؤية شيء بالعين فلأن لهذا الشيء حيزا وكتلة، في حين ان الله سبحانه وتعالى أرفع من ان يتصف بهذه الصفات، فهو وجود غير محدود ليس كمثله شيء، وهو اسمى من عالم المادة المحدود، والدليل على بطلان نظرية رؤية الله هو أننا اذا آمنا بالمعاد الجسماني فان الأمر لا يختلف بين الدنيا والآخرة، وبما ان الباري سبحانه وتعالى فوق المادة فهو لا يتبدل الى الوجود المادي، ولا يخرج من لا محدوديته ليصبح محدوداً، ولا يتحول الى جسم، ومن هنا دلت الأدلة العقلية على عدم امكان رؤية الله سواء في الدنيا أو الآخرة لأن حكم العقل لا يتغير سواء هنا او هناك.
وبناء على ذلك فان القول بأن الانسان لا يرى الله في هذه الدنيا ولكن المؤمنين يرونه يوم القيامة غير منطقي، وغير مقبول، أما الآيات القرآنية التي يبدو منها لأول وهلة أنها تدل على الرؤية والتجسيم مثل قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة} {ويد الله فوق ايديهم} فانها من باب الكناية والرمز، ومعنى وجوه الى ربها ناظرة تعني منتظرة الى رحمة ربها، أو ناظرة الى ثواب ربها كقوله تعالى: {فنظرة الى ميسرة} والدليل على امتناع الرؤية ان وجوب وجوده يقضي تجرده، ونفي الجهة والحيز عنه فتنتفي الرؤية بالضرورة، فان كل مرئي فهو في جهة يشار اليه انه هنا أو هناك، ويكون مقابلا أو في حكم المقابل، ولما انتفى هذا المعنى عنه انتفت الرؤيا.
ويقول علي عليه السلام في وصف الله سبحانه وتعالى في خطبة له كما جاء في نهج البلاغة قوله عليه السلام: أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الاخلاص لَهُ، وَكَمَالُ الاخلاص لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَة أَنَّها غَيْرُ الْمَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوف أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ.فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ الَيْهِ، وَمَنْ أَشَارَ الَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ.وَمَنْ قَالَ «فِيمَ؟» فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ «عَلاَمَ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ.كائِنٌ لاَ عَنْ حَدَث، مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَم.مَعَ كُلِّ شيء لاَ بِمُقَارَنَة، وَغَيْرُ كُلِّ شيء لاَ بِمُزَايَلَة، فَاعِلٌ لاَ بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ والآلة بَصِيرٌ اذْ لاَ مَنْظُورَ الَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ، مُتَوَحِّدٌ اذْ لاَ سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بهِ وَلاَ يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ.


علي يوسف المتروك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يسعدني وضع بصمتك هنا