الأحد، 21 أبريل، 2013

هل يمكن رؤية الله يوم القيامة (2)

writer image



شكرا لكل من علق على مقالي المنشور في جريدة «الوطن» الغراء يوم الأحد، الموافق: 24 مارس. تحت عنوان: (هل يمكن رؤية الله يوم القيامة).
ولم يدر بخلدي ان هذا المقال سيحدث هذه الضجة حيث انبرت جماعة من المشايخ الأفاضل للرد في جريدة الأنباء يوم الخميس الموافق 28 مارس 2013: اثباتا للرؤية كما كتب عدد من الاخوة الأعزاء في «الوطن» الغراء خلال تلك الفترة حول هذا الموضوع نفسه وأريد هنا ان أسجل نقطة مضيئة تستوجب الاشادة بأن جميع الردود لم تخرج من أدب الحوار، وهكذا الدعوة عندما تكون لله كما يقول سبحانه وتعالى: {ادْعُ الَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125).
وهذه الآية رسمت طريق الحوار بين الكفار والمسلمين فكيف اذا كان الحوار بين المسلمين أنفسهم عندما يختلفون في اثبات رأي أو نفيه.
كان من أشد المتحمسين لمتابعة هذا النقاش وما ورد فيه من أدلة أخي الفاضل الأستاد سليمان ماجد الشاهين وزير الدولة الأسبق وقد وصف هذا النقاش وهذا الطرح بالعصف الفكري الذي يخرج الساحة من الركود والتبلد الى النشاط والمعرفة فالقرآن الكريم أمرنا ان نتفكر بآيات الله فقال عز من قائل بقوله: {انَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الرعد: 3).
وأمر ان نحكم العقل فقال: {انَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (الرعد: 4).
وذم من لم يستعمل عقله فقال سبحانه: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (الأعراف: 179).
وأمر سبحانه ان نتدبر القرآن ونمعن النظر في آياته فقال عز من قائل: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد: 24).
وفي خضم ما جاء في كتب التراث وما تضمنته بعضها من أحاديث لا تنسجم مع العقل والمنطق القرآني بل أحاديث مغرقة بالخيال كقول أكثر من واحد بأنه:(رأى الله في المنام).وادعاء بعضهم بأنه:(يزور الله في السماء) وآخر:(طلب من الله ان يكلمه باللغة الفارسية)، ونقل عن أحدهم:(أنه أحيى حماره بعد ان مات).وهي موثقة ونقلتها كتب التراث المعتبرة، ولكنا لسنا بصدد هذه الروايات حتى لا تخرجنا من صلب الموضوع.
ويبدو ان بعض المتربصين بالاسلام دس هذه الأحاديث لتكون جزءا من التراث الاسلامي.وازاء هذه الحالة فان مرجع المسلمين -كما أمرهم نبيهم صلوات الله عليه وآله -هو الرجوع الى كتاب الله العزيز، فقد ورد عنه أنه قال: ستكثر الكذابة من بعدي.فاذا جاءكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله فان وافق فخذوا به وان خالف فاضربوه عرض الحائط.
وبما أننا بصدد الكلام عن عدم رؤية الله في يوم القيامة فليس جديدا وانما كان رأيا قديما بل كان هو الرأي السائد في الصدر الأول من الصحابة والتابعين الى أوائل القرن الثاني عندما تولى المعتزلة الحكم ابتداء من عهد المأمون وهو رأي الشيعة أيضا ولم يتغير هذا الرأي الا بعد ما سيطر أهل الحديث على الحكم العباسي -أيام المتوكل- وأقصيت المعتزلة ونكل بهم أشد التنكيل وكانت نقطة صراع يتبين منها الموالي للحكم العباسي والخارج عليه مثلها مثل فتنة الامام أحمد في «خلق القرآن».
ومن هذا المبدأ فسَّر الاباضية وغيرهم من المذاهب التي ذهبت الىَ هذا الرأي كُلّ الآيات والأحاديث التي تُوهم التشبيه أو الرؤية، بما يتناسب مع صفات الله التي لا تتبدل ولا تتغير، والمتتبع للقرآن الكريم لا يجد آية صريحة في مسألة الرؤية، بل ان الآيات والأحاديث التي تنفي الرؤية أكثر وأصرح من الآيات والأحاديث التي تثبتها.
وقال حسن بن علي السقاف القرشي في شرحه على العقيدة الطحاوية في الرؤية ص 583: وأما في الآخرة فذهب جمهور أهل السُّنة الى اثبات رؤية الله تعالى للمؤمنين في الجنة، واحتجوا بقوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة.الى ربها ناظرة}، وبقوله تعالى عن الكافرين: {كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}، وبحديث: انكم سترون ربكم كما ترون هذا البدر، وفي رواية: كما ترون الشمس في رابعة النهار ليس دونها سحاب، وهو في البخاري ومسلم.
وخالفهم في ذلك جماعة من أهل السُّنة والجماعة وغيرهم كالسيدة عائشة رضي الله عنها ومجاهد وأبي صالح السمان وعكرمة وغيرهم، وكذا المعتزلة والاَباضية والزيدية، واحتجوا بقول الله تعالى: لا تدركه الاَبصار وهو يدرك الاَبصار}، وأوَّلوا الآيات التي احتج بها جمهور أهل السنة بأن المراد بالآية هو: وجوه ناضرة مسرورة لاَنها تنظر ثواب ربها وعطاءه وجنته وانعامه، كما أنه هناك بالمقابل وجوه يومئذ باسرة عابسة تظن ان يفعل بها فاقرة أي مصابة بداهية كبيرة، وهذا الكلام هو بيان ما يكون في أرض المحشر، وحال المؤمنين والكافرين يومئذ، والرؤيا انما تكون في الجنة.
قالوا: فالمقام هنا مقام مقابلة بين وجوه تنتظر الثواب ووجوه تنتظر العقاب، ورؤية الله تعالى غير مرادة هنا وخصوصاً ان الكلام يتعلق بالموقف قبل الدخول للجنة والنار، وأنتم يا جمهور أهل السنة والجماعة تقولون بأن الرؤية انما تتم في الجنة لا في أرض المحشر، وهذا الكلام يتعلق في أرض المحشر.
ورد هؤلاء على من قال من أهل السنة بأن لفظ (ناظرة) لا تأتي عربية بمعنى منتظرة، فقالوا: ان ذلك ليس صحيحاً، بل قد ورد في القرآن الكريم باثبات ان معنى ناظرة منتظرة! ومن ذلك قوله تعالى عن بلقيس: {وَانِّي مُرْسِلَةٌ الَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} (النمل: 35).، أي منتظرة بم يرجع المرسلون، وهو واضح ظاهر.
كذلك قالوا بأن المراد بقوله تعالى: {كَلَّا انَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} (المطففين: 15).، أي عن ثواب ربهم واكرامه وانعامه، والحجاب أيضاً هو عن كلامه لا عن رؤيته، لاَن الله تعالى يقول وهو أصدق القائلين: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (البقرة: 174) ثم قال في آخر بحثه ص 590: فتبين من هذا كله ان هذه الآيات لا يصح الاِستدلال بها في مسألة اثبات الرؤية، والله تعالى الموفق.انتهى.
نص القرآن الكريم على ان من آياته محكم ومتشابه في قوله تعالى: {مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} (آل عمران: 7).
وهذه الآية التي اعتمد عليها القائلون بالرؤية والمدافعون عن هذه النظرية قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ الَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة:23-22).
وهذه الآية من الآيات المتشابهة التي تحتمل عدة معان واللغة العربية التي نزل بها القرآن تحمل الكثير من الاستعارات والكنايات والتشبيهات.
والقاعدة التي قررها العلماء ان يحمل المتشابه على المحكم وكلمة (نظر) تكررت في أكثر من آية واستعملت في عدة معان منها الانتظار والامهال والترقب وهذه نماذج من بعض الآيات التي وردت بهذا السياق:
1 - يقول القرآن: {مَا يَنْظُرُونَ الَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} (يس: 49).(أي: ما ينتظرون ويترقبون).
2 - {وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ الَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} (ص: 15).(أي: ما ينتظرون).
3 - {هَلْ يَنْظُرُونَ الَّا السَّاعَةَ ان تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} (الزخرف: 66).(أي: هل ينتظرون).
4 - {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} (الحديد: 13).(أي انتظرونا نقتبس).
5 - {هَلْ يَنْظُرُونَ الَّا ان تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ } (النحل: 33).(أي: هل ينتظرون).
6 - {اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ الَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} (النمل: 28).(أي فانتظر...).
7 - {وَانِّي مُرْسِلَةٌ الَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} (النمل: 35). (أي: اني منتظرة).
8 - {انَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} (النبأ: 40). (أي: ينتظر ويترقب).
9 - {وَانْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ الَى مَيْسَرَةٍ } (البقرة: 280).(أي: انتظار وامهال الى ميسرة).
10 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ الَّا ان يُؤْذَنَ لَكُمْ الَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ انَاهُ وَلَكِنْ اذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَاذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ان ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} (الأحزاب: 53).قال ابن جرير الطبري: يعني: غير منتظرين ادراكه وبلوغه.جامع البيان،( ج 22، ص 42).
ولعل في هذه الآيات المباركة التي ترادفت فيها كلمة النظر بمعنى الانتظار والترقب والامهال كافية لاعطاء الدليل الواضح على ان الآية المباركة {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ الَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة:23-22).منتظرة نعماءه ورضوانه.وهذه الآية مقابل التي تليها وهي قوله تعالى: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ*تَظُنُّ ان يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} (القيامة: 25). (أي تنتظر العذاب وسوء المنقلب).
قلنا فيما سبق ان الكلام ليس في وجود الله بل كلنا نقول بوحدانيته وكلامه ولكن البحث هل ان الله يراه الانسان بالعين المجردة كما يدعيه أصحاب الرؤية، وهذا يستلزم النقص والجسمية والتشبيه بالمخلوق أم ان الله تعالى ليس قابلا للرؤية ولا يصح الاحاطة به فقد قال عن نفسه: {انَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} (فصلت: 54).فكيف يظهر في جزء من مخلوقاته فيحيط به المحاط؟ وهل ظهور الله سبحانه وتعالى بوجهه فقط أو بجسمه فيتحول الى جسم مادي فيراه أهل الجنة يوم القيامة وهو الذي قال عن نفسه: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الانعام: 103).
وهذه الآية ونحوها التي تنفي الرؤية من الآيات المحكمات واستحالة الرؤية الحسية لله تعالى التي لا تقبل التأويل وترفض المعنى المقابل بصورة قاطعة، ومعنى الآية أنه لا تحيط به الأوهام وهو تعالى يحيط بها فمن أدركه فقد شاركه في صفة الادراك، فمن لطافته لا يدرك ولا يحيط به البصر لاستحالة احاطة المحدود بغير المحدود.كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: 11).وكقوله تعالى {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} (طه: 110).والآية محكمة واضحة لا يمكن ان يحيط الانسان بالله علما أي: أيّ علم كان سواء بالبصر أو غيره فلا يعرف ولا يحاط به..
وقال الامام ابن عاشور في تفسيره على الآية الكريمة في معنى اللطيف: «صفة مشبهة تدل على صفة من صفات ذات الله تعالى، وهي صفة تنزيهه تعالى عن احاطة العقول بماهيته، أو احاطة الحواس بذاته وصفاته فيكون اختيارها للتعبير عن هذا الوصف في جانب الله تعالى هو منتهى الصراحة والرشاقة في الكلمة، لأنها أقرب مادة في اللغة العربية تقرب معنى وصف ذاته تعالى بحسب ما وضعت له اللغة من متعارف الناس».تفسيره الآية 143 من سورة الأعراف.
وقد وصف من طلب من النبي موسى رؤية ربه من السفهاء فقال: {قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَايَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ان هِيَ الَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} (الأعراف: 155).
وذم الله تعالى من طلب الرؤية واعتبرها كفرا بقوله تعالى في الآيات التالية: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ ان تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا} (النساء: 153).
واعتبرهم من المجرمين بحق الله تعالى فقال: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} (الفرقان:22-21).
وقال تعالى:{أَمْ تُرِيدُونَ ان تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْايمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} (البقرة: 108).
ويبدو من هذه الآية وجه شبه بين مطالبهم ومطالب بني اسرائيل، ومن هنا فقد شدد القرآن النكير على هؤلاء واعتبر ان مطلب الرؤية خروج عن الملة بقوله: {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْايمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}.
سيكلم الله المؤمنين يوم القيامة أي يخلق الصوت في الجو فيسمعه المؤمن ولا يكلم المجرمين ذلك علامة لرضاه ولزيادة اطمئنانهم ورفع الخوف والقلق من نفوسهم قال: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (البقرة: 174).وقال تعالى: {انَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ الَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (آل عمران: 77).والنظر هنا بمعنى رحمته ولطفه بهم وهو يفسر لنا قوله تعالى: {نَاظِرَةٌ} (القيامة: 23).
وروى حماد بن عمرو النصيبي، قال: سألت الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن قوله تعالى: {قل هو الله أحد}، فقال: نسبة الله الى خلقه أحدا صمدا أزليا صمديا لا ظل له يمسكه وهو يمسك الأشياء بأظلتها، عارف بالمجهول، معروف عند كل جاهل، فردانيا، لا خَلْقَه فيه ولا هو خلقِه، غير محسوس ولا مجسوس، لا تدركه الأبصار، علا فقرب ودنا فبعد، وعصي فغفر وأطيع فشكر، لا تحويه أرضه ولا تقله سماواته، حامل الأشياء بقدرته، ديمومي أزلي، لا ينسى ولا يلهو ولا يغلط ولا يلعب، ولا لارادته فصل وفصله جزاء وأمره واقع، لم يلد فيورث ولم يولد فيشارك، ولم يكن له كفوا أحد.

عائشة وانكار الرؤية:

وأورد البخاري في صحيحه عن عامر عن مسروق: «قال قلت لعائشة: يا اُمّتاه هل رأى محمد (صلى الله عليه وآله)ربّه؟
فقالت: لقد قفّ شعري ممّا قلت! أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب؟
من حدثك ان محمدّاً (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى ربّه فقد كذب، ثم قرأت: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)، (وما كان لبشر ان يكلّمه الله الاّ وحياً أو من وراء حجاب)، ومن حدّثك أ نّه يعلم ما في غد فقد كذب ثم قرأت: (وما تدري نفس ماذا تكسب غداً) ومن حدّثك أ نّه كتم فقد كذّب ثم قرأت: (يا أيّها الرسول بلّغ ما اُنزل اليك من ربّك...)الآية ولكنه رأى جبرئيل في صورته مرتين»(1).
وأخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قال عندما سئل عن رؤيته لربه: (نور أنَّى أراه).
ووجه الاستدلال به ان النبي صلى الله عليه وسلم استبعد فيه حصول الرؤية بقوله: (أنَّى أراه) فان أنَّى بمعنى كيف، وهو شاهد على استحالة رؤيته تعالى(2).
ومن حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وسؤال أبي ذر رضي الله عنه يتبين ان المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لم ير الله في هذه الرحلة التي شرفه الله بها ولم يعط هذه الفضيلة لغيره من الأنبياء عليهم السلام، فكيف ننتظر منه سبحانه وتعالى ان يغير من كينونته ليتحول الى جسم مادي يراه العباد يوم القيامة وهو الكبير المتعال {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} (الانعام: 100).
وورد في فردوس الأخبار عن ابن عباس رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) يحكم فيها بشرك من شبّه الله بغيره(3)، وهو ما يوضّح موقف ابن عباس من مثل هذه القضية.
ويروي الثعالبي في كتابه الجواهر الحسان: ان عائشة وجمهور الصحابة كانوا يفسّرون قوله تعالى: (ولقد رآه نزلة اُخرى) بارجاع ضمير رآه الى جبرئيل(عليه السلام)(4) تنزيهاً لله عن الرؤية.وورد ان عائشة لما سمعت قائلاً يقول: ان محمداً رأى ربّه، قالت: لقد قفّ شعري ممّا قلت، ثلاثاً، من زعم ان محمداً رأى ربّه فقد أعظم الفرية على الله تعالى(5).
ولقد ردّ الشيخ سلامة القضاعي الشافعي المتوفّى سنة (1379هـ) على من ادّعى ان السلف كانوا على القول بالرؤية في يوم القيامة، فكتب يقول:
«اذا سمعت في بعض عبارات بعض السلف، انّما نؤمن بأنّ له وجهاً لا كالوجوه، ويداً لا كالأيدي، فلا تظنّ أ نّهم أرادوا ان ذاته العليّة منقسمة الى أجزاء وأبعاض فجزء منها يد وجزء منها وجه، غير أ نّه لا يشابه الأيدي والوجوه التي للخلق.حاشاهم من ذلك وما هذا الاّ التشبيه بعينه، وانّما أرادوا بذلك ان لفظ الوجه واليد قد استعمل في معنى من المعاني وصفة من الصفات التي تليق بالذات العلية كالعظمة والقدرة، غير أ نّهم يتورعون عن تعيين تلك الصفة تهيّباً من التهجّم على ذلك المقام الأقدس، وانتهز المجسمة والمشبهة مثل هذه العبارة فغرروا بها العوام وخدعوا بها الأغمار من الناس وحملوها على الأجزاء فوقعوا في حقيقة التجسيم والتشبيه وتبرأوا من اسمه، وليس يخفى نقدهم المزيف على صيارفة العلماء وجهابذة الحكماء»(6).
كتب كثير من المفسرين وأصحاب السير وعلماء المسلمين بتزكية ابن جرير الطبري ووثاقته وأكتفي بما قال عنه شيخ الاسلام ابن تيمية: «وتفسير محمد بن جرير الطبري هو من أجلِّ التفاسير وأعظمها قدرًا»...[ابن تيمية: مجموع الفتاوى الكبرى 361/13]. وقال أيضًا: «وأما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري، فانه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين كمقاتل بن بكير والكلبي» [المصدر السابق نفسه 385/13].
واليكم ما رواه الحافظ ابن جرير الطبري حول تفسيره قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ الَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة:23-22).
27629 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عمر بن عبيد، عن منصور، عن مجاهد وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة قال: تنتظر منه الثواب.
* - قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد الى ربها ناظرة قال: تنتظر الثواب من ربها.
* - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبدالرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد الى ربها ناظرة قال: تنتظر الثواب.
* - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور عن مجاهد الى ربها ناظرة قال: تنتظر الثواب من ربها، لا يراه من خلقه شيء.
27630 - حدثني يحيى بن ابراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن مجاهد وجوه يومئذ ناضرة قال: نضرة من النعيم الى ربها ناظرة قال: تنتظر رزقه وفضله.
27631 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال: كان أناس يقولون في حديث، فيرون ربهم فقلت لمجاهد: ان ناسا يقولون انه يرى، قال: يرى ولا يراه شيء.
27632 - قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله الى ربها ناظرة قال: تنتظر من ربها ما أمر لها.
27633 - حدثني أبو الخطاب الحساني، قال: ثنا مالك، عن سفيان، قال: ثنا ‹ اسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة قال: تنتظر الثواب.
وقد احتج بعض الإخوة من دعاة الرؤية بأن قوله تعالى {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} (ق:35-34).
ولماذا نحمل الكلمات أكثر مما تحتمل فنفسر المزيد برؤية الله فلماذا لا يكون مزيدا من النعم والاكرام كما يبدو من السياق فالمؤمنون في ضيافة الله فقال قال سبحانه وتعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (السجدة: 17).
وقال ابن جرير الطبري في تفسير وقوله: لهم ما يشاءون فيها يقول: لهؤلاء المتقين ما يريدون في هذه الجنة التي أزلفت لهم من كل ما تشتهيه نفوسهم، وتلذه عيونهم.
وقوله: ولدينا مزيد يقول: وعندنا لهم على ما أعطيناهم من هذه الكرامة التي وصف جل ثناؤه صفتها مزيد يزيدهم اياه.جامع البيان - ج 26 - ص 223.
ما كتبناه في هذا البحث هو غيض من فيض.أرجو ان يكون قد أثرى الساحة بكثير من الأدلة والايضاحات ويظهر مما سبق ان الرؤية مسألة خلافية حتى بين أهل السنة والجماعة أنفسهم، كما أرجو ألا يعتقد أحد ان اثارة مثل هذه المواضيع تؤدي الى النزاع والى الفرقة بين المسلمين، فليكن لدينا سعة صدر ورؤية منفتحة لقبول الرأي والرأي الآخر، والله الهادي الى سواء السبيل.



هوامش:
- صحيح البخاري: 50/6، مسند أحمد: 49/6 .
2 - صحيح مسلم ج 1 - ص 111
3 - فردوس الأخبار، الديلمي: 206/4 ط دار الكتاب العربي.
4 - الجواهر الحسان : 253/3.
5 - شرح الاُصول الخمسة، القاضي عبدالجبار: 268 ط القاهرة.
6 - بحوث في الملل والنحل : 120/4 ـ 121، نقلاً عن فرقان القرآن : 80 للقضاعي.


علي يوسف المتروك
ali.almatrook@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يسعدني وضع بصمتك هنا