الأحد، 28 أبريل، 2013

هل يمكن رؤية الله يوم القيامة؟ (4)

تحدثنا في المقالات السابقة عن رؤية الله يوم القيامة وتركز الحديث بما نشرناه من آيات وأحاديث نبوية شريفة عن ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى من آيات ربه الكبرى ولم ير الله سبحانه وتعالى بعينه المجردة، وكان التساؤل عن امكانية رؤية الله يوم القيامة واستعرضت في هذا البحث عددا من الآيات التي تفسر قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ*الَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة:22/ 23). بمعنى الانتظار والترقب لرحمة الله.وليس في هذا البحث ما يخرج المرء عن دينه فهناك من يفصل الاسلام على مقاسه والا فما المانع ان يتساءل مسلم عن (رؤية الله) ان كانت رؤية ممكنة بالعين المجردة أو لا؟، حين استوقفتني آيات الله البينات مثل قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الانعام: 103).وقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} (طه: 110).وقوله تعالى: {أَلَا انَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} (فصلت: 54).اضافة الى تفسير الحافظ ابن جرير الطبري لقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ الَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (22/23 القيامة) وتعني الانتظار والترقب لرحمة الله ورضوانه.
قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِلَّةَ أَبِيكُمْ ابْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} (الحج: 78) من تعدى حدا من حدود الاسلام فقد ظلم نفسه الا ان هذا الدين الذي أقيم على حرية الاختيار وعدم الاكراه اذا تحول الى طقوس قصرية تلزم الناس اتباعها بالقوة والجبروت تفرغ الدين من محتواه الحقيقي.
هذا الدين تبلغ به ما تريد حين لا يرتضي العقيدة حتى يمكن لها الحجة، ولا يحفل بالعمل حتى يمحصه الاخلاص، ولا يعبأ بالايمان حتى يغرسه وينميه الاختيار الحر الكامل.
نعم فقد جعل الاسلام للمسلمين فيما بينهم للتواصي بالحق والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، ورعاية حدود الله، ونشر الحق في أرحب دائرة تستطاع بالبرهنة القوية شريطة ألا تكون الوسيلة أداة قهر وهيمنة تفرض على الناس باسم الاسلام، فان حدث ذلك فالاسلام من كل ذلك براء.
ثم كان البحث عن مرجعية كتاب الله العزيز عند تعارض الاحاديث معه واليوم اكمل البحث بحديث متواتر اعتمدته دار التقريب فكان مدخلا للحوار بين السنة والشيعة للتقريب بينهم.

حديث الثقلين:

جاء في الصحيح عن أبي سعيد الخُدْري، عن النبي (ص)، قال: «انّي أُوشكُ ان أُدعى فأُجيب، واني تاركٌ فيكم الثَّقَلَين، كتابَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وعِتْرَتي، كتاب الله حَبلٌ ممدود من السماء الى الأرض، وعترتي أَهْلُ بيتي، وأن اللطيف الخبير أَخبرني أَنهما لَن يفترقا حتى يَرِدا على الحوض، فَانْظُرُوني بِمَ تَخلُفُونِي فيهما»1.
وقد ورد هذا الحديث بصيغ مختلفة لوروده في عدة مناسبات لا تخرجه عن مضمونه.
نظريا لا خلاف بين المسلمين على اعتبار القرآن هو المصدر الأول والأساسي في تكوين المعارف الاسلامية في الحقول المختلفة وأنه الميزان والمعيار في تصويب الآراء والأفكار ولكن على جانب العملي يبدو ان هذا الدور المرجعي ووظائفه المتعددة الأطراف أمر غير متحقق الا في موارد محدودة وهذا يعني الهجران الذي حذرت منه بعض الآيات والنصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة كقوله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ ان قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا} (الفرقان: 30).
فقد اقتصرت مهمة القرآن لدى المسلمين على التلاوة والحفظ وكسب الثواب..أو اتخاذه تميمة للأطفال أو قراءة سطحية لا تسبر أغواره ولا تستشف معانيه.
ومما زاد في تنافر الأمة: ابتعادهم عن كتاب الله، والتمسك بمرجعيته عن طريق العترة الطاهرة، كما أمرهم نبي الاسلام - هؤلاء الذين يمثلون الثقل الأصغر للقرآن - أما الشيعة فأخذوا بالعترة وأغفلوا القرآن الا من رحم الله فتجد طالب العلم في الحوزة يتعلم الصرف والنحو والبيان واللغة والحديث والرجال والدراية والفقه والأصول حتى يبلغ آخره مرتبة الاجتهاد وهو لم يدرس بتدبر وتعمق علوم القرآن وخصوصياته بحجة عدم الأخذ بظواهر القرآن الا بالرجوع الى الأحاديث المروية عن أهل البيت(عليهم السلام) لأنهم أعلم بمحكماته ومتشابهاته ومناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه..وكانت النتيجة ان أصحاب هذا الرأي من علماء الشيعة أنكروا حجية ظواهر القرآن من جهة وجعلوا الأحاديث حاكمة على القرآن من جهة ثانية.
ويقول الشيخ يوسف البحراني أحد المراجع الكبار في موسوعته الفقهية (الحدائق الناضرة، ج: 1، ص: 27): منهم من منع فهم شيء منه (القرآن) مطلقا حتى قوله: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (الاخلاص: 1).الا بتفسير من أصحاب العصمة عليهم السلام.
وللشيخ الحر العاملي في وسائل الشيعة، ج: 27، ص: 176، (باب (13): تحت عنوان (عدم استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن الا بعد تفسيرها من الأئمة المعصومين).
الأمر الذي أبعد الباحثين عن التدبر والاستنباط عن ظواهر القرآن، أما بعض أهل السنة والجماعة فأخذوا بالكتاب على الرغم من قولهم ان الخبر ينسخ الكتاب وتركوا العترة وبهذه الطريفة يكون كلا الفريقين قد ترك الكتاب والعترة فحدث الاختلاف حين تمسك كل فريق بأحاديثه ومصادره ولم يجعلا القرآن حكما يرجع المسلمون اليه عند الاختلاف والفرقة والتنابذ.
الا ان الحوزات العلمية لدى الشيعة قد تغير نهجها الآن فأخذت تولي القرآن دراسة وحفظا واستنباطا..عناية كبرى ستظهر آثارها في القادم من الأيام.
ان الأمر الذي لم يلاحظه أهل السنة والجماعة ان الشيعة الامامية قد خطوا خطوة مهمة في مجال التقريب حين طوروا نظرية انتظار الامام الغائب فأقاموا الدولة الاسلامية في ايران في خطوة جريئة قام بها الامام الخميني رحمه الله مؤسس الجمهورية الاسلامية لتقدم للمسلمين نموذجا من الحكم الاسلامي القائم بعضه على متطلبات العصر من انتخابات ومجالس شورى وغيرها والمرتكز على القيم الاسلامية في اقامة الدولة.

الإمام علي ومرجعية القرآن:

يقول عليه السلام ضمن وصاياه الى أبنائه: الله الله بالقرآن لا يسبقنكم بالعمل به غيركم.فهو منهاج لا يضل نهجه، ومنازل لا يضل نهجها المسافرون، وأعلام لا يعمى عنها السائرون، وآكام لا يجوز عنها القاصدون، ومعقل منيع ذروته، وعز لمن تولاه، وسلم لمن دخله، وهدي لمن ائتم به ..وحامل لمن حمله، ومطية لمن أعمله، وآية لمن توسم، وجنة لمن استلام، وحكم لمن قضى وتمسك بحبل القرآن واستنصحه وأحل حلاله وحرم حرامه. واعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا لأحد قبل القرآن من غنى.
وجاء في الحديث الصحيح عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).وقال: (ان أهل القرآن في أعلى درجة من الآدميين ما خلا النبيين والمرسلين فلا تستضعفوا أهل القرآن حقوقهم فان لهم من الله العزيز الجبار لمكانا عليا).
ويقول الامام الشيخ مهدي شمس الدين وهو غني عن التعريف ما نصه: (ان المصدر الأساسي للتشريع هو الكتاب والسُنة ولا يوجد غيرهما.في الكتاب والسُنة غنى وكفاية، والادعاء بأن النصوص قاصرة وأننا نحتاج الى ان نكمل النصوص بأدوات أخرى هذا الادعاء لا أثق به ولا آراه صحيحاً.النصوص ليست قاصرة)2.
وقد جاء عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: (ان الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء حتى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج اليه العباد حتى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا انزل في القرآن الا وقد أنزله الله فيه).
ومما تقدم يتبين لنا بشكل واضح وقطعي ان كتاب الله الكريم هو المصدر الأول والأساس لمعرفة أحكام الشريعة لأنه تبيان لكل شيء وهذا ما بينه الفقهاء في أصولهم حيث قال الشيخ المظفر في حجية الكتاب ما هذا نصه: (فهو - اذا - الحجة القاطعة بيننا وبينه تعالى، التي لا شك ولا ريب فيها، وهو المصدر الأول لأحكام الشريعة الاسلامية بما تضمنته آياته من بيان ما شرعه الله للبشر3.
كما ان الإمام الشافعي أيضاً قال:(ليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة الا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها)4.
وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المتقدم يؤكد لنا أهمية الثقل الاكبر وهو القرآن وانه المصدر الأساس في معرفة أحكام الشريعة الاسلامية وان فيه أصول جميع المسائل وفيه جواب السائل وحل الاختلاف عند المختلفين فقد نقلنا فيما تقدم أقوال الأئمة﴿عليهم السلام وغيرهم بأنه ما من أمر يختلف فيه اثنان الا وله أصل في كتاب الله وقد بينوا أيضاً بأن الكتاب فيه تبيان كل شيء وتفصيل لكل شيء تصديقاً لقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 89).وقوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ الَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} (الانعام: 38).وقوله تعالى: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (يوسف: 111).

السرخسي ومرجعية القرآن:

من الأحاديث الشريفة الواردة عن المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) في ضرورة عرض الأحاديث على القرآن ما نقله أبو بكر السرخسي قوله: تكثر الأحاديث لكم بعدي فاذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافقه فاقبلوه واعلموا أنه مني وما خالفه فردوه واعلموا أني منه بريء.المصدر: (أصول السرخصي، ج: 1، ص: 365).
ونقل الرازي حديثا آخر قال(صلى الله عليه وآله وسلم): [اذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فاقبلوه وان خالفه فردوه].(المحصول: للرازي، ج: 3، ص: 91).
ونقل الآمدي قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):[اذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فاقبلوه وما خالفه فردوه]. (الأحكام، للآمدي، ج: 2، ص 323).
البحث لم ينته ولكني الى هنا اتوقف لما تطلبه البحث من جهد وعناء ومتابعة شاكرا كل من شارك في اثراء هذا النقاش سلبا أو ايجابا وأرجو ان القراء الكرام قد استفادوا منه والله الموفق والهادي الى سواء السبيل.


الهوامش:

- مصادر حديث الثقلين كثيرة جدا لا يسع المجال لذكرها، ولكن أذكر هنا شيئا يسيرا، فممن رواه : 1 - الحافظ مسلم في (صحيحه) 7 : 122 و 123، طبعة مصر بأربع طرق . 2 - الحافظ الدارمي في (سننه ) 2 : 431، طبعة دمشق . 3 - الحافظ الترمذي في (صحيحه ) 13 : 199 و 200، طبعة مصر بعدة طرق . 4 - الحاكم النيسابوري في (المستدرك ) 3 : 109، 148 و 533، طبعة حيدر آباد الدكن بعدة طرق . 5 - شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الشافعي في (الاعتقاد ) : 163، طبعة القاهرة . 6 - وفي (السنن الكبرى ) 2 : 148، و 7 : 30، و 10 : 113، طبعة حيدر آباد الدكن . 7 - الحافظ محيي السنة البغوي في (مصابيح السنة ) 4 : 185، 189 و 190، طبعة دار المعرفة بيروت . 8- الحافظ المؤرخ ابن سعد في (الطبقات الكبرى ) 2 : 194، طبعة مصر . 9- الحافظ الطبراني في (المعجم الصغير ) 1 : 131 ‹ صفحة 129 › و 135، طبعة المدينة . 10- وفي (المعجم الكبير ) 5 : 171، 190، 205، 206، 537 و 538، طبعة بغداد، بعدة طرق . 11- الحافظ البسوي في (المعرفة والتأريخ ): 536، طبعة بغداد . 12- الحافظ ابن المغازلي في (المناقب ) .
2 - الاجتهاد والحياة حوار على الورق – حوار واعداد محمد الحسيني - ص23
3 - أصول الفقه، للشيخ محمد رضا المظفر - ج 3 - ص 54
4 - الرسالة، للشافعي - ص20 .


علي يوسف المتروك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يسعدني وضع بصمتك هنا